الأستاذ حسام ابو بكر - مدير عام الفنار

لنكن واضحين منذ البداية:
ما شهدناه يوم أمس من اتفاق عودة القائمة المشتركة لم يكن مبادرة قيادية جريئة، بل استجابة متأخرة لضغط شعبي كاسح. لم يأتِ من قراءة معمّقة للواقع السياسي، ولا من مراجعة نقدية شجاعة لتجربة التفكك، بل فُرض فرضًا حين قال الشارع العربي كلمته بصوت عالٍ: كفى تشرذمًا، كفى حسابات ضيقة، وكفى استخفافًا بالإرادة الجماهيرية.

سخنين لم تكن حدثًا… بل إنذارًا!
ما جرى في سخنين لم يكن مجرد احتجاج، بل لحظة سياسية فاصلة. حراك جماهيري واسع، منظم، وعابر للأطر الحزبية، كشف فجوة خطيرة بين الشارع وقياداته. الجماهير تحركت، بادرت، ونجحت، بينما القيادات كانت تراقب، تتردد، ثم تلتحق مكرهة.

السؤال الذي لا يمكن الهروب منه هو:
هل عادت المشتركة بإرادة قادتها أم خوفًا من فقدان ما تبقى من شرعيتهم؟ وهل يمكن بعد اليوم تجاهل هذا الشارع، الذي أثبت أنه أقوى وأسبق وأكثر جرأة من قياداته؟

القيادة في امتحان: مع الشارع أم ضده؟
الحراك الجماهيري لم يكن فئويًا ولا موسميًا. انخرطت فيه مختلف أطياف المجتمع العربي: شباب، نساء، سلطات محلية، أطر مدنية، ونشطاء من خارج “النوادي الحزبية المغلقة”. الرسالة كانت واضحة: الوحدة مطلب شعبي، لا مناورة انتخابية. وأي محاولة للالتفاف على هذه الرسالة، أو إعادة إنتاج المشتركة بالذهنية القديمة ذاتها، لن تُقابل هذه المرة بالصمت، بل بمحاسبة سياسية وشعبية حقيقية.


شراكة ديمقراطية: فرصة تُختبر لا تُستعرض
انضمام قوى ديمقراطية من المجتمع اليهودي إلى الحراك ليس تفصيلًا عابرًا ولا مادة علاقات عامة. إنه مؤشر على إمكانية بناء تحالف ديمقراطي نضالي في مواجهة الفاشية والعنصرية، وعلى أساس نضال مشترك لا وصاية فيه ولا تهميش.

لكن السؤال الصريح هو: هل الأحزاب العربية مستعدة لتحويل هذا الانفتاح إلى شراكة سياسية فعلية، أم ستبقيه في حدود الصورة والبيان؟
فالفرص التاريخية لا تتكرر كثيرًا، ومن يضيّعها يدفع الثمن طويلًا. واليوم، الفرصة متاحة لتعزيز التنسيق والتعاون، لخلق قاعدة تغيير حقيقية وعريضة.

ما بعد الاتفاق: تبدأ المعركة الحقيقية
الاتفاق المبدئي على إعادة المشتركة ليس إنجازًا، بل بداية الامتحان. التجربة السابقة علّمت الجمهور أن المشكلة لم تكن في الإطار، بل في مضمونه. وتبقى الأسئلة الثقيلة معلّقة:

من يرأس المشتركة؟
هل سيُختار رئيس قادر على القيادة والمواجهة وبناء الثقة، أم سيُخضع المنصب مجددًا لصفقات وتوازنات حزبية؟

كيف ستُدار المحاصصة؟
هل سنشهد إعادة إنتاج منطق “كل حزب وحصته”، أم صيغة سياسية ناضجة تعكس وزن الشارع لا وزن المكاتب؟

أين المشروع السياسي؟
هل ستعود المشتركة بلا برنامج واضح، أم بمشروع يتعامل بجدية مع قضايا الجريمة والعنف والأرض والمسكن والمكانة السياسية للعرب في هذه البلاد؟

خارج الأطر الحزبية: هنا يُقاس الصدق
الاختبار الأهم—وربما الأكثر إزعاجًا للقيادات—هو: هل تنفتح المشتركة على شخصيات تمثيلية من خارج الأطر الحزبية؟
ليس كديكور انتخابي، ولا كأسماء توضع في أسفل القائمة، بل كقوى شريكة في القرار والقيادة: شخصيات نابعة من الحراك الشعبي، من السلطات المحلية، من المجتمع المدني، من الأكاديميا، من الشباب والنساء.

بدون هذا الانفتاح، ستبقى المشتركة أسيرة ذاتها، وستفشل في استعادة الشرعية التي تآكلت بفعل احتكار التمثيل والانفصال عن نبض الناس.

الخلاصة: الشارع سبق… فهل تلحقون؟
الشارع العربي قال كلمته بوضوح وبلا لبس. الوحدة فُرضت من تحت، لا مُنحت من فوق.


والمشتركة اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إمّا أن تتحول إلى مشروع سياسي حيّ، مفتوح، جريء، يعكس إرادة الجماهير ويترجم الحراك إلى فعل سياسي منظم، أو أن تعود كنسخة باهتة، قصيرة العمر، ستسقط عند أول اختبار حقيقي.

الكرة في ملعب القيادات. والشارع… لم يعد صبورًا.

هذه ليست عودة… بل محاكمة
ما يجري اليوم ليس “عودة المشتركة”، بل محاكمة علنية للقيادات السياسية أمام جمهور لم يعد يكتفي بالشعارات ولا يغفر الفشل. الشارع الذي تحرك في سخنين وغيرها لم يخرج ليطالب بصورة وحدة، بل ليطالب بتغيير قواعد اللعبة. وأي محاولة لإعادة تدوير الوجوه ذاتها، والعقلية ذاتها، والصفقات ذاتها، ستُقرأ كإعلان صريح بالانفصال عن الناس.

على القيادات أن تفهم:
الشارع لم يعد جمهورًا صامتًا يُستدعى يوم الانتخابات، بل فاعلًا سياسيًا يراقب، يحاسب، ويعاقب. والمشتركة، إن لم تتحول إلى أداة تغيير حقيقية، ستكون شاهدة على لحظة سقوط جديدة، وربما أخيرة، لما تبقى من الثقة.

هذه ليست فرصة للإنقاذ الذاتي، بل امتحان وجودي. ومن يفشل فيه… لن يمنحه الشارع فرصة أخرى.

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]