كتب: غزال أبو ريا
في ظلّ الأزمات المتلاحقة والتغيّرات الاجتماعية المتسارعة، يبرز التحرك الشعبي القاعدي (Grassroots) كأحد أهم أشكال الفعل المجتمعي. فهذا التحرك لا ينطلق من قرارات فوقية ولا من مراكز نفوذ، بل ينبع من الناس أنفسهم، من إحساسهم المشترك بالمسؤولية تجاه مجتمعهم ومستقبلهم.
في واقعنا المحلي، كثيرًا ما نشهد مبادرات أهلية تظهر عند لحظات مفصلية: أزمة اجتماعية، العنف المستشري،توتر مجتمعي، تحديات تربوية، أو فراغ في المعالجة الرسمية. عندها، يتقدّم أفراد من المجتمع،عمال،فلاحون ،طلاب كادحون ،مربّون، شباب، نساء، مهنيون ووجوه اجتماعية—ليقولوا بالفعل لا بالقول: نحن هنا.
يتميّز التحرك الشعبي المحلي بقربه من الناس، وفهمه العميق للبيئة الثقافية والاجتماعية، وقدرته على التحرّك السريع والمرن. وفي كثير من الأحيان يشكّل جسرًا بين المجتمع والمؤسسات، لا حالة مواجهة معها. فحين تنجح المبادرات القاعدية، فإنها تفتح المجال أمام شراكات أوسع وأكثر نجاعة.
ومن النماذج اللافتة في هذا السياق، أشخاص ينطلقون من داخل المجتمع نفسه، بلا صفة رسمية أحيانًا، لكن بثقة عالية، يساهمون في احتواء النزاعات، ومنع تفاقم الأزمات، وبناء مساحات للحوار. هذا الفعل الهادئ يعكس جوهر التحرك الشعبي: حلّ المشكلات قبل أن تستفحل.
كما أن للشباب، والطلاب بشكل خاص، دورًا متزايد الأهمية في هذا الحراك. فهم ليسوا مجرد مستقبل المجتمع، بل هم جزء من حاضره. ويمكن للطلاب أن يكونوا عامل تغيير حقيقي، حين يخرجون من إطار الشكوى إلى إطار الفعل، ويشاركون في مبادرات تطوعية، وحملات توعية، ونشاطات مجتمعية. فمشاركتهم تعطي الحراك قوة وحيوية، وتُظهر أن التغيير ممكن عندما يتحرك الجيل الجديد.
والتاريخ العالمي مليء بأمثلة تؤكد أن التحرك القاعدي قادر على إعادة تشكيل الواقع. ففي فرنسا، ظهرت حركات شعبية متعددة عبر العقود، كان لها دور في دفع قضايا العدالة الاجتماعية والحقوق المدنية، وفي الضغط على المؤسسات لتعديل السياسات وتحسين ظروف المواطنين. وفي الولايات المتحدة، تُعدّ حركة الحقوق المدنية بقيادة مارتن لوثر كينغ نموذجًا واضحًا للتحرك الشعبي الذي غير وجه المجتمع، حين انتقل من احتجاجات محلية إلى حركة وطنية، مدعومة بإرادة جماعية وإيمان بالحق والكرامة.
ومن الأمثلة العالمية الأخرى التي تؤكد ذلك، ما حدث في مدينة نيويورك قبل نحو قرن من الزمن، حين تراكمت النفايات في الشوارع وأصبح الوضع صحيًا وبيئيًا صعبًا. في ظل بطء الاستجابة، خرج الناس—بما فيهم الطلاب—لتنظيف المدينة، مؤكدين أن الواقع لا يتغير بالشكوى وحدها. هذا الفعل البسيط، الذي بدأ من القاعدة، كان نقطة انطلاق لوعي جماعي جديد ومسؤولية مشتركة تجاه المكان العام.
التحرك الشعبي ليس بديلًا عن المؤسسات، ولا إعفاءً لها من مسؤولياتها، بل دعوة ضمنية إلى التكامل. فالمجتمع القوي هو ذاك الذي يبادر، والمؤسسة الفاعلة هي التي تصغي، تحتضن، وتحوّل المبادرات الشعبية إلى سياسات داعمة.
في واقع مليء بالتحديات، يبقى الرهان الحقيقي على الوعي الجماعي، وعلى قدرة المجتمع على تحويل القلق إلى فعل إيجابي، والخلاف إلى حوار، والأزمة إلى فرصة للتعلّم والبناء.
وخاصة في المجتمع العربي، حيث يختلط الحلم بالواقع، ويُحكى عن حقوق لا تزال تنتظر أن تُترجم إلى ممارسة يومية وخطر العنف وفقدان الأمان يبقى التحرك الشعبي السلمي هو الطريق الأصدق لتحقيق التغيير.
فالنضال من أجل الحقوق المدنية ليس صراخًا في الفراغ، بل هو عمل منظم، واعٍ، وسلمي؛ يبدأ من الأحياء والأزقة، وينمو في الأحياء والنوادي، ويتوسّع في المؤسسات والفضاءات العامة، حتى يصبح صوتًا لا يمكن تجاهله.
إن المجتمع الذي يرفض أن يكون مجرد متلقٍ، ويختار أن يكون فاعلًا، هو المجتمع الذي يتقدّم خطوة إلى الأمام.
فالتحرك الشعبي، حين يُدار بحكمة وأخلاقيات واضحة، لا يكون مجرد ردّ فعل عابر، بل مسارًا مجتمعيًا يرسّخ المشاركة، ويعزّز الثقة، ويصنع التغيير من الجذور.
[email protected]
أضف تعليق