في أوطانٍ أُنهكت أخلاقيًا،

لا تُقاس الجريمة بالفعل،

بل بمدى قابلية الضحية لأن تكون مُدانة بعد موتها.

هناك، لا يُستدعى القاتل إلى السؤال،

بل تُستدعى حياة المقتول بكل تفاصيلها

لتُحاكم غيابها.



المأساة لا تبدأ عند لحظة القتل،

بل عند تلك اللحظة اللاحقة

التي يُعاد فيها ترتيب الوقائع

كي يبدو الموت نتيجة منطقية،

لا جريمة تستدعي الحساب.

في هذه اللحظة تحديدًا،

لا يُغتال الإنسان جسديًا فحسب،

بل يُغتال المعنى ذاته.



حين تُصبح العدالة مشروطة بالقوة،

تفقد جوهرها دون أن تفقد اسمها.

تبقى المحاكم قائمة،

واللغة قانونية،

والأختام رسمية،

لكن الحقيقة تُدار من خلف الستار،

وفق موازين لا علاقة لها بالحق،

ولا بالضمير.



الضحية تُسأل دائمًا:

لماذا كنت هناك؟

لماذا لم تكن أكثر حذرًا؟

لماذا لم تصمت؟

كأن الحياة امتياز يُمنح لمن يُتقن الانسحاب،

وكأن الكلام خطيئة تستوجب الإعدام المؤجَّل.



أما القاتل،

فيُعاد تأهيله لغويًا وأخلاقيًا.

يُخفَّف فعله بالمصطلحات،

ويُبرَّد الدم بالتقارير،

وتتحول الجريمة إلى سياق،

والرصاصة إلى ضرورة،

والقتل إلى سوء تقدير.



الخطر لا يكمن في الظلم وحده،

بل في اعتياده.

حين يصبح اتهام المقتول ممارسة طبيعية،

يتحوّل الخوف إلى نظام اجتماعي،

ويغدو الصمت شكلًا من أشكال النجاة،

لا اختيارًا أخلاقيًا، بل غريزة بقاء.



الفلسفة لم تُخلق لتبرير الواقع،

بل لفضحه.

والإنسانية لا تُقاس بقدرتها على إنتاج القوة،

بل بقدرتها على كبحها.

وحين تعجز المجتمعات عن حماية ضحاياها،

فهي لا تخسر أفرادها فقط،

بل تخسر تعريفها لنفسها.



قد تنجح السلطة في تبرئة الرصاصة،

وقد تُغلق الملفات،

وتُمحى الأسماء،

لكن الدم لا يقبل الأرشفة.

هو ذاكرة مفتوحة،

وشاهد لا يعترف بلغة المنتصرين.



في النهاية،

ليس السؤال:

من القاتل؟

بل:

أي منظومة تحتاج إلى إدانة ضحيتها

كي تُقنع نفسها بأنها عادلة؟



ذلك السؤال وحده

هو الحكم الذي لا يسقط بالتقادم.
 

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]