بقلم رانية مرجية
هناك لحظة بعينها لا تشبه سواها؛ لحظة لا يعود فيها الضيق مجرّد ظرف عابر، بل يتحوّل إلى مناخ داخلي. يصبح الألم طريقة في النظر، وإيقاعًا في التنفّس، ونبرة خفيّة تلوّن التفاصيل كلّها. عندها لا يثقل القلب سؤال «لماذا؟» وحده، بل ذاك السؤال الأعمق والأقسى: هل لهذا ما نعيشه معنى؟ وهل للغد مكان في هذا العتم؟
في مثل هذه المفاصل الحسّاسة من التجربة الإنسانية، لا يأتي الرجاء بوصفه عبارة مُعلّقة على جدار الروح، بل كقوّة تعيد ترتيب الداخل. هنا يلتقي صوتان مقدّسان، من مرجعيتين مختلفتين في اللغة والطقس، متّحدتين في الجوهر: الإنسان لا يُترك وحيدًا في ضيقه، والعسر ليس الكلمة الأخيرة.
القرآن الكريم يسمّي الألم باسمه الصريح: عُسر. لا يخفّفه ولا يموّه حضوره. لكنه، في اللحظة نفسها، ينزع عنه سلطة الاكتمال، فيؤكّد أن معه يسرًا، ويكرّرها توكيدًا لا يترك مجالًا للارتياب. ليست الفكرة وعدًا مؤجّلًا لما بعد انتهاء الشدّة، بل إعلانًا أن اليسر يسير بمحاذاة العسر، يعمل في داخله، ويتشكّل في شقوقه، حتى وإن عجزت العين عن التقاطه.
وفي الكتاب المقدس، يتقدّم الرجاء من باب آخر: باب القصد والمعنى. فالأحداث لا تُقرأ بوصفها مصادفات عمياء، بل ضمن أفق أوسع تحكمه أفكار إلهية لا تتّجه نحو الشر، بل نحو السلام، مستقبلٍ مفتوح، ورجاء. هنا لا يُختصر الخلاص في لحظة انفراج، بل في مسار تقوده عناية تعرف الطريق حتى حين يجهله السائرون.
بين اليسر الملازم للعسر، والفكرة الإلهية التي تقصد السلام، تتكوّن رؤية مختلفة للحياة: رؤية لا تنكر الشقوق، لكنها ترفض أن تتحوّل الشقوق إلى هوية. فالرجاء، في هذا العمق، ليس شعورًا عاطفيًا عابرًا، ولا تمرينًا نفسيًا لتسكين الخوف، بل وعي أخلاقي ووجودي. أن يختار الإنسان ألا يُختزل في انهياره، وألا يمنح الألم حق تعريفه، وأن يترك في داخله حيّزًا مفتوحًا للمعنى.
التفكير الإيجابي، حين ينبع من هذا المنبع الروحي، يتجاوز سطحية الشعارات. يصبح موقفًا من العالم: اعترافًا بمرارة الواقع دون الارتهان لها، وإيمانًا بأن الطريق وإن ضاق، ليس مسدودًا. فالفرق بين من ينجو ومن يغرق لا يكون دائمًا في حجم الموج، بل في المساحة الداخلية التي يتركها للرجاء كي يعمل.
وقد لا يأتي اليسر كما نتخيّله. قد لا يكون معجزة مدوّية، بل تحوّلًا هادئًا في الداخل: قدرة جديدة على الاحتمال، حكمة تولد من الانكسار، قلب أقل قسوة، أو شجاعة تنمو في الظل. كثيرًا ما تُخطئ أعيننا رؤية اليسر لأننا ننتظره كاملًا دفعة واحدة، بينما الرحمة تعمل بالتدريج.
أما أفكار السلام، فهي تمسّ جذر الخوف الأعمق: خوف الإنسان من أن يكون منسيًا، بلا قصد، بلا عناية. لكنها تقول له إن وجوده ليس متروكًا للصدفة، وإن المستقبل ليس فراغًا بل وعد. لا وعد بسهولة الطريق، بل بمعناه. ومن يسير بمعنى، وإن تعثّر، ينهض.
هكذا يتشكّل الرجاء كفعل داخلي شاقّ: مقاومة يومية للاستسلام، وحراسة واعية للسلام وسط ضجيج التفاصيل. لا بطولة صاخبة هنا، بل ثبات هادئ. لا إنكار للدموع، بل رفض لمنحها مفاتيح الغد. يكفي أن نصدّق أن اليسر حاضر، ولو كبذرة، وأن السلام اتجاه يُسلك، لا خاتمة بعيدة.
في النهاية، لا يعود العسر نقيض الرجاء، بل موضع ولادته. ومن مفارقات الحياة أن الإنسان لا يتعلّم السلام في أوقات الرخاء بقدر ما يتعلّمه في ارتجافة الضيق، حين يفتّش عن معنى يرفعه، وعن يد لا تُفلت قلبه.
[email protected]
أضف تعليق