كل شيء في العام 2025 كان يدعو للتشاؤم، كل شيء تقريبًا، الكارثة الإنسانية التي حلت على غزة والتي تفاقمت في هذا العام، ورغم وقف الحرب، بمفهومها الرسمي، إلا أن الدماء في غزة استمرت بالسيلان، والدمار استمر، والحالة الإنسانية الصعبة استمرت، بل وتفاقمت مع دخول الشتاء وعواصفه. وما زالت إسرائيل ترفض إدخال الكرفانات، ليس معدات البناء، ليس كل المساعدات المطلوبة، فقط الكرفانات، التي ستنقذ الناس من ذل العيش في الخيام، ومن دخل المخيمات على شاطئ البحر، التي يلتهمها البحر مرة تلو الأخرى. واعتقد أن الكارثة في غزة، ستتجلى أكثر فأكثر مع مرور الأيام، وأن عدد الضحايا المعلن هو أقل بكثير بكثير من العدد الحقيقي، فحسب جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني فإن عدد سكان قطاع غزة انخفض بنسبة 10.6% منذ السابع من أكتوبر 2024، أي 254 ألف انسان تقريبًا، واذا قلنا أن هنالك 100 ألف استطاعوا الخروج من غزة، ونحو 80 ألف قُتلوا وتم توثيق وفاتهم، وهنالك نحو 60 ألف مولود جديد في العامين الأخيرين، وهذا يعني أن عدد الذين لا يُعرف كيف ماتوا أو اختفوا يفوق الـ130 ألفًا، بين مفقودين تحت الأنقاض وبين من دفنوا بمقابر جماعية دون توثيق وبين أسرى وبين من أخذت إسرائيل جثثهم وبين أشخاص ماتوا بسبب الامراض وعدم توفر العلاجات، بمعنى أن عدد القتلى في غزة، أكبر بكثير من العدد المعلن، وهذا بحد ذاته مرعب.

وفي الضفة، كانت السنة الأسوأ على الإطلاق، المشروع الاستيطاني تغوّل بشكل غير مسبوق، ولم يعد هنالك ما يدفعه لأن يخجل أو يتصرف بشكل محدود، كل شيء بات مباحًا ومسموحًا، من اعتداءات المستوطنين، إلى المزيد من المشاريع الاستيطانية، إلى ممارسات الجيش. والشعور أن الفلسطيني لا حول له ولا قوة، فيديو المستوطن الذي يدهس الفلسطيني اثناء صلاته على جانب الطريق ثم يهدده ويصرخ بوجهه، الذي انتشر قبل أسبوع، ومشروع السيطرة على سبسطية ومعه مصادرة 1800 دونم في المنطقة، وهي المساحة الأكبر التي تتم مصادرتها منذ احتلال الضفة، تُلخصان ما حال إليه الأمر في الضفة، عربدة إسرائيلية تامة بلا ضوابط ولا حدود، وحالة خوف ورعب مسيطرة على الفلسطينيين، بات الفلسطيني يفهم أن كل مواجهة أو كل محاولة تصدي لأي إسرائيلي، ستؤدي إلى قتله فورًا، بحجة أنه إرهابي، وفوق هذا، ستتدمر حياة عائلته كليًا.

وقد تكون الجبهة الأكثر هدوءً خلال 2025 هي القدس، لكن الأمر يبدو هكذا، لأن الأحداث في المناطق الأخرى كان أكبر وربما أكثر دموية، إلا أن القدس أحداثًا لا تقل أهمية، يكفي أن دخول اليهود للمسجد الأقصى لم يعد يقتصر على مجرد زيارة، انما صار يشمل صلوات وطقوس دينية، الأمر الذي يعد خرقًا للوضع القائم "ستاتوس كفو"، دون أي منع من قبل الشرطة، والاقتحام المستفز للوزير بن غفير، استمر، 6 مرات هذا العام، لكنه بات لا يحدث ضجة كبيرة، وهذا وإن يبدو إيجابيًا لأنه لا يحقق له أهدافه بإشعال المكان، إلا أنه غاية في الخطورة ويعبر عن تطبيع لهذه الاقتحامات وتحويلها إلى وضع طبيعي، لنذكر فقط أن الانتفاضة الثانية اشتعلت لأن وزير الأمن الإسرائيلي وقتها ارييل شارون اقتحم المسجد الأقصى!

أما داخل الخط الأخضر، في المجتمع العربي، أو في صفوف المواطنين الفلسطينيين في دولة إسرائيل، أو عرب إسرائيل كما يُحب الشارع الإسرائيلي أن يطلق علينا، فهذا العام لا يمكن لأي عام آخر حتى أن ينافسه في درجة السوء، عدد جرائم القتل طبعًا، رقم قياسي جديد، 252 جريمة، رغم أني لا أفضل التحدث عن الجرائم بالأرقام، لأن هنالك ما هو أخطر من الأرقام، تطبيع الجريمة، وهذا أسوأ ما في الامر، تحضرني هنا مقولة تنسب للكاتب الفلسطيني إبراهيم نصر الله " أسوأ ما يحدث لنا ، أن يغدوَ المشهد مألوفا"، نعم، أسوأ ما حدث ويحدث لنا أن مشهد الجريمة بات مألوفًا، بات طبيعيًا، وهنا يكمن نجاح مخطط مشروع تفكيك المجتمع العربي في الداخل، كل طفل في المجتمع العربي اليوم يعرف عن الجرائم، كل طفل تقريبًا يميز بين صوت إطلاق النار وصوت المفرقعات النارية، كل طفل يمسك هاتفًا، بإمكانه أن يرى توثيقات لجرائم إطلاق النار اليومية، المجرمون باتوا يمتلكون ثقة تدفعهم حتى إلى توثيق وتصوير جرائمهم، وتنفيذها في ساعات اليوم أو المساء، وقيامهم بإغلاق الشارع حتى ينهون عملهم، هذا حصل في سخنين ويحصل في أماكن أخرى. وطبعًا، في ظل غياب سلطة القانون، تتطور طرق الإجرام، عبوات ناسفة متطورة، طيارات مسيرة تحمل عبوات ناسفة، هذا العام مثلًا صرنا نرى توثيقات لجرائم تنفذ ببنادق كلاشنكوف، نعم، كلاشنكوف، قبل سنوات كان بندقية "كارلو" وهي بندقية خفيفة مصنوعة محليًا هي المستخدمة أكثر من قبل المجرمين، اليوم تطوروا، لديهم بنادق m16 اكثر، المهربة من الجيش طبعًا، ومؤخرًا دخلت بندقية الكلاشينكوف، يقال أن كميات كبيرة من البندقيات تم تهريبها من سوريا، شخص من الذين دخلوا إلى سوريا عندما حدث الاعتداء على الدروز في السويداء قال لي أنه كان بالإمكان شراء بندقية كلاشنكوف بـ200 دولار! تخيلوا! كل هذا والدولة التي من المفترق أن تحمينا كمواطنين فيها، وتحمي نفسها وسيادتها، نعم سيادتها، كيف يمكن لدولة أن تزعم أن لديها سيادة على منطقة معينة وهي لا تفرض سلطتها الأمنية فيها؟ في الخلاصة، بعلم الدولة، وباعتقادي بتخطيطها أو تخطيط جهات معينة منها، المجتمع العربي رسميًا هذا العام صار موبوئًا بالجريمة المنظمة، وهذا وباء لا يشبه الأوبئة الأخرى، لأن التعايش معه ممكن، ويصبح ممكن أكثر مع تفاقمه أكثر، وباء يصبح هو الوضع الطبيعي.

اليوم عندما تدخل إلى أي محل تجاري في البلدات العربية، وبشكل خاص في مناطق مثل الناصرة مثلًا، تشتبه بكل حركة خارج المحل، بكل شخص يدخل. عندما تمر بجانبك دراجة نارية، تخاف، حتى لو كنت تعرف تمامًا أن لا أعداء لك ولست متورطًا بشيء، اليوم في المجتمع العربي، يفضل الكثير الناس عدم الدخول بجدالات على الطريق مثلًا في البلدات العربية، لأنها قد تنتهي بتورط خطير، وللمفارقة المثيرة للسخرية، أن الكثيرون باتوا أيضًا يتجنبون الدخول بجدال حتى على موقف سيارات في البلدات اليهودية، خوفًا من تورط آخر، من اتهام بالإرهاب و "تحييد" كما يسميها الإعلام الإسرائيلي، كيف لا ومشهد الأشخاص يتجولون بسلاحهم صار مشهدًا عاديًا، في بعض دول العالم، الشرطة تتجول بلا سلاح، وهنا المواطنون يتجولون ببنادق ومسدسات ظاهرة، بحجة مواجهة "الإرهاب"، ولكن المشهد يعكس تمامًا أين تقف هذه الدولة، ولكن هذا موضوع آخر قد نتحدث عنه لاحقًا.

في كل مرة يطرح موضوع العنف والجريمة، تكون التعقيبات في الاعلام العبري وفي الصفحات على اختلافها، ذاتها، أن هذه ثقافة العرب وأنكم تتباكون وتكثرون من التباكي وتتهمون الدولة بكل شيء. ورغم أني كتبت ورددت أكثر من مرة على الأمر، ولكن ببساطة، قارنونا بالعرب في الضفة الغربية وفي الأردن وفي لبنان والدول المجاورة، ستجدون أن نسبة الجرائم هنا هي أضعاف أضعاف نسبتها هناك، هناك تحصل بعض الجرائم التي تحصل في كل المجتمعات، وفي المجتمعات الشرقية أكثر من غيرها ربما، لكن هناك يوجد سلطة قانون، هنالك شرطة، شرطة عادية وطبيعية، تلاحق وتعتقل القتلة، ولا تسمح لعصابات إجرام منظم أن تأخذ مكانة ودور الدولة، رغم كونها أنظمة فقيرة وغير متطورة، لكن تقوم بعملها الطبيعي، الذي لا تقوم به إسرائيل هنا، وتسمح عبر عدم الجدية في حل الجرائم، الممنهجة منذ سنوات، وغض البصر عن تسريب السلاح، بتحويل الزعران الصغار إلى مجرمين كبار، وهذا أمر ممكن أن يحصل في أي مكان في العالم، لدى أرقى شعوب العالم، في حال قررت الدولة هناك أن تفعل ما فعلته وتفعله إسرائيل بنا. مزعج الحديث مرة تلو الأخرى عن هذا الأمر، ولكن المزعج أكثر هو حالة الفوقية والغرور وانكار الحقيقة التي نواجهها من قبل معظم الإسرائيليين.

كل هذا الحديث عن الجريمة المنظمة يظهر الأمر وكأن هذه هي مشكلتنا الوحيدة، علمًا بأن مشاكلنا عديدة وكبيرة ومدننا وقرانا تعاني من نقص في كل شيء تقريبًا، والدولة ما زالت تقلص بالميزانيات التي من المفترض أنها خصصت لتقليص الفوارق بين المجتمعين العربي واليهودي. وفوق كل هذه المشاكل، تستمر عمليات هدم البيوت وهدم قرى وأحياء كاملة بشكل ممنهج، في النقب بشكل خاص وفي كافة المناطق، الحكومات السابقة بدأت بالأمر وهذه الحكومة ضاعفته وسط تفاخر شديد من قبل الوزير ومن معه، دولة تهدم بيوت مواطنيها، تتركهم في العراء، لا تقدم لهم بدائل، وتتركهم في نفس الوقت عرضة للعصابات الإجرامية التي تسيطر على الشارع، وفي نفس الوقت تدعي أن هذا هدفه فرض السيادة! دولة تناقض نفسها بشكل صارخ، بل فاضح.

الحقيقة، أن كل شيء كما ذكرت، يدعو إلى التشاؤم وبشدة. والأسوأ أن العام الجديد لا يبدو بأنه سيجلب معه أمورًا أفضل، وفق كل المعطيات وكل الأخبار.

لكن رغم كل شيء، عندما افقت من نومي صباح اليوم الخميس 1.1.2026، وكما يحصل معي في بداية كل عام أو في كل بداية، شعرت بشيء من التفاؤل، بأن شيئًا ما سيتحسن، لا أعرف ما ولا أعرف كيف والحقيقة أن لا فكرة لدي حتى، ولكنه شعور، أتمنى دائمًا أن يصدق.

وهنا تحضرني أيضًا كلمات قصيدة لشاعرنا الفلسطيني الكبير محمود درويش:


فرحا بشيء ما خفيٍّ، كنْت أَحتضن
الصباح بقوَّة الإنشاد، أَمشي واثقا
بخطايَ، أَمشي واثقا برؤايَ، وَحْي ما
يناديني: تعال! كأنَّه إيماءة سحريَّة ٌ،
وكأنه حلْم ترجَّل كي يدربني علي أَسراره،
فأكون سيِّدَ نجمتي في الليل... معتمدا
علي لغتي.
فرحا بشيء ما خفيٍّ، كان يحملني
علي آلاته الوتريِّة الإنشاد . يَصْقلني
ويصقلني كماس أَميرة شرقية
ما لم يغَنَّ الآن
في هذا الصباح
فلن يغَنٌي


فرحا بشيء ما خفيٍّ، كنت أَمشي
حالما بقصيدة زرقاء من سطرين، من
سطرين... عن فرح خفيف الوزن،
مرئيٍّ وسرِّيٍّ معا
مَنْ لا يحبّ الآن،
في هذا الصباح،
فلن يحبَّ!

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]