كتبت: المحامية رشا العطاونة هي عضو طاقم جمعيّة إيتاخ مَعَكِ - حقوقيّات من أجل العدالة الاجتماعيّة

جميلة هي أمٌّ لستّة أطفال، من قرية السيرة البدويّة في النقب. تعيش في فقرٍ مدقع، وتخوض يوميًّا صراع البقاء، لا سيّما في تأمين لقمة الطعام لأفراد الأسرة. ظروفها الأسريّة تجعلها مصنَّفة على أنّها فاقدة للمكانة القانونيّة، بلا مواطَنة إسرائيليّة ولا إقامة قانونيّة، ممّا يعني حرمانها من أبسط الحقوق والخدمات الصحيّة والتأمين الوطني والعمل المنظَّم، بل ومن حريّة الحركة والتنقُّل. على مدى خمسة أعوام، كانت تعمل عاملة نظافة في إحدى بلدات غلاف غزّة المجاورة. مسافة قصيرة تفصل بيتها عن مكان العمل، لكن انعدام إتاحيّة المواصلات جعلها تتحوَّل إلى ساعات طويلة من التنقُّل والعناء. ثم جاءت الحرب وغيّرت كلّ شيء. جميلة واحدة من عشرات آلاف النساء القابعات اليوم في أدنى سلّم الطبقات الفقيرة، واللاتي لا يبلغْنَ حتّى الحدّ الأدنى من الوصول إلى غذاءٍ أساسي. الحلول لهذا الواقع القاسي موجودة ومطروحة، لكن يبقى السؤال: هل تنجح دولة إسرائيل بتنفيذها، لتأمين أدنى مقوّمات الحياة بكرامة لكلِّ إنسان يعيش على أرضها وضمن حدودها؟

كشفت معطيات تقرير الأمن الغذائي الصادر عن التأمين الوطني هذا الأسبوع، أنّ أكثر من ربع العائلات في إسرائيل تعيش في دائرة انعدام الأمن الغذائي، بما يشمل غياب الوصول المستقرّ للطعام، تدنّي جودة التغذية، اضطراب عادات الأكل، وانعكاسات خطيرة على الصحّة والرفاه. هذه الصورة تصبح أشدّ قسوة حين ننظر إلى المجتمع العربي، حيث يقفز المعدّل إلى 58%، فيما تتصدّر النساء البدويّات قائمة الفئات الأشدّ فقرًا، وتفتقد نحو 90% منهنّ الحدّ الأدنى من مقوّمات المعيشة المرتبطة بالغذاء، لا سيّما في القرى غير المعترف بها في النقب، وفي مقدّمتها النساء الفاقدات لأيِّ مكانة قانونيّة. هؤلاء النساء يعشن فقرًا مدقعًا، في بلدات بلا بنى تحتيّة للكهرباء والماء، ودون شوارع ولا خدمات صحيّة. بالنسبة لدولة إسرائيل، تلك النساء مهمّشات "وغير مرئيّات"، رغم أنهنّ يتحمَّلْنَ على أكتافهن مسؤوليّة حياة آلاف الأطفال الّذين يصل بعضهم أحيانًا إلى مذلّة الجوع، وهذه شهادة ما بعدها شهادة على انهيار اجتماعي عميق، ولحظة اختبار حقيقي لدولة إسرائيل.

والقضيّة هنا ليست اجتماعيّة اقتصاديّة فحسب، بل قانونيّة ودستوريّة وأخلاقيّة: يشهد النقب في السنوات الأخيرة أزمة اجتماعيّة سياسيّة حقيقية، هي حصيلة عقودٍ طويلة من الإهمال المؤسّسي، والخلافات السياسيّة حول تنظيم القرى البدوية، ونقص دائم في التطوير والاستثمار، وغياب البنى التحتيّة. هذا التراكُم صنع واحدًا من أعلى معدّلات الفقر في إسرائيل، وفي مركزه انهيار الأمن الغذائي. الحرب الّتي اندلعت في السابع من أكتوبر عمّقت الأزمة، حين قضت على مصادر رزق، وخلّفت آلاف العائلات بلا قدرة على العيش الكريم أو تأمين وتحصيل الغذاء. النقب الّذي يعيش فيه نحو 280 ألف مواطن بدوي، من بينهم نحو 100 ألف يسكنون في 35 قرية غير معترف بها، تحوّل إلى ساحة تُدفَع فيها النساء -المعيلات الأساسيّات والمسؤولات الوحيدات عن البيت والأطفال والغذاء- إلى خطوط المواجهة كمقاتِلات مُنهَكات في معركة بقاءٍ لا تُحتمَل.
مع أنّ برامج المساعَدة قائمة، إلّا أنّها لا تُقارب الواقع كما يجب. فقد وضعت دولة إسرائيل، على سبيل المثال، الخطّة الوطنيّة للأمن الغذائي 2025-2050 بهدف "ضمان تزويدٍ منتظَم لغذاءٍ صحّي، آمِن، متنوِّع ومتاح لجميع السكّان في إسرائيل، على المدى القصير والمتوسِّط والبعيد". هذه الخطّة، والّتي هي نتاج سيرورة واسعة النطاق ومتعدِّدة الوزارات والقطاعات، بمشاركة نُخبة من الخبراء والمهنيّين، تفشل فشلًا جذريًّا في فهم احتياجات المجتمع البدوي. وكغيرها من الخطط والبرامج، لا توفّر حلًّا للبلدات المنعزلة، ففي قرية جميلة على سبيل المثال، لا يوجد حتّى شارع واحد أو محطّة حافلات تتيح لها إمكانيّة الوصول إلى القرية المجاورة، والّتي تعمل فيها دائرة الرفاه المزوَّدة بقسائم الغذاء أو سلال المساعدات. أمّا التأمين الوطني، فمن جهته لا يعترف أصلًا بهؤلاء النساء، رغم الواجب القانوني الواضح الملقى على عاتق الدولة في ضمان حياة كريمة لكلِّ إنسان يعيش داخل حدودها. النساء الفاقدات للمكانة القانونيّة "تُمحى" بجرّة قلم من منظومات المساعدة كلّها، فلا يحقّ لهنَّ مخصّصات، ولا مِنَح طوارئ، ولا حتّى خدمات صحيّة أساسيّة. وفي أحيان كثيرة لا يستطعن فتح حساب بنكي أو الحصول على استشارة قانونية، ويصبحْنَ معتمِدات بالمطلق على أفراد العائلة، فيما تكون بعضهنّ أمّهات أحاديّات الوالديّة، ومنهن من تعرّضْنَ ويتعرَّضْنَ للعنف ومنهن من ترمّلْنَ، ليبقينَ مكشوفات ومستضعفات دون أيِّ شبكة أمان.

هناك أيضًا حلول بعيدة المدى، ليست قصيرة النظر ولا خالية من القدرة على التخطيط، من بينها: نشر آليّات توزيع غذاء ثابتة في كلِّ تجمُّعٍ بدوي؛ وضع خطط تعتمد معايير بديلة تتلاءَم مع واقع الحياة في النقب، مع معالجة معمَّقة للعوائق الاجتماعيّة والثقافيّة؛ تخصيص ميزانيّات موجَّهة للاستجابة الغذائيّة للنساء في حالات الخطر؛ إشراك النساء البدويّات على كلّ طاولة تُتَّخذ فيها القرارات؛ وإنشاء بنى تحتيّة مجتمعيّة مستدامة للغذاء والزراعة المحليّة.

إذن، دولة إسرائيل لا تحتاج إلى ابتكار "شيء من لا شيء" ولا إلى "إبداع سياسي". كلّ ما تحتاجه فعلًا هو الجرأة. الجرأة على الاعتراف بالفشل، الجرأة على الإصلاح، وجرأة الاستيعاب بأنّ الأمن الغذائي ليس منّةً ولا تفضُّلًا، بل هو حقٌّ أساسي لكلِّ إنسان. على الدولة أن تحسم موقفها، فيما إذا كانت ستخوض هذا الاختبار أم لا، وفيما إذا كانت مستعدّة للتخلّي عن التمييز المزدوج والثلاثي والإقصاء البنيوي الموجَّه نحو نساء يقبعْنَ في فقرٍ مدقع، ويواجهْنَ التهميش الجغرافي، ويُحرَمْنَ من التمثيل، وأحيانًا من المكانة القانونيّة أيضًا. إذا قرّرت الدولة ألّا تترك أيَّ امرأة خلف الركب، فعليها أن تبدأ تحديدًا من المكان الّذي عرّى فشلها أكثر من غيره: النقب والنساء البدويّات.

 

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]