بقلم رانية مرجية
في فضاءٍ تتشابك فيه الحكايات بالصمت، وتتصادم فيه الذاكرة مع الثقل التاريخي الذي ورثته النساء عبر قرون، يطلّ الأدب النسوي بوصفه صوتًا مضادًا، فعلًا وجوديًا قبل أن يكون نصًا مكتوبًا. إنه مساحة مقاومة، ودفتر اعترافات جماعية، ومرآة تعكس لا ملامح المرأة وحدها، بل ملامح العالم الذي حاول طويلًا أن يصوّرها وفق مقاساته لا مقاساتها.
ليس الأدب النسوي مجرد محاولة للتعبير عن قضايا المرأة، بل هو مشروع لإعادة توزيع الضوء على ظلال تم تجاهلها، وإعادة كتابة السرديات الكبرى من زاوية تختلف عمّا رسّخته الثقافة الذكورية في النصوص، والمناهج، واللغة، وصناعة المعنى نفسها.
الكتابة النسوية كفعل تحرّر
حين تكتب المرأة، فإنها لا تكتب عن نفسها فقط، بل لنفسها، ولجيش طويل من النساء اللواتي لم يستطعن، أو لم يُسمح لهن، بأن يفعلن ذلك. إنها تستعيد حقًا بديهيًا في أن تكون ذاتًا كاملة، لا نصف حكاية ولا الهامش الذي تكمله رواية الرجل.
الأدب النسوي هنا ينقلب إلى طقس استعادة:
استعادة الصوت، والذاكرة، والجسد، والحق في الألم والفرح والتمرّد.
فالمرأة التي تُقصى عن السرد العام، تُقصى تلقائيًا عن التاريخ. وحين تستعيد لغتها، تستعيد العالم.
اللغة النسوية… حين يصبح الحرف امتدادًا للجسد
يختلف الأدب النسوي في لغته، لأنها لغة تحاول التحرّر من القوالب الصلبة التي صاغتها الثقافة.
لغة أنثوية ليست ضعيفة ولا عاطفية كما حاول البعض تصويرها؛ بل هي:
لغة مشغولة بالحدس، وبقوة التفاصيل الصغيرة،
لغة تشتبك مع الجسد لا بوصفه موضوعًا، بل كمساحة ذاكرة،
لغة تمنح اليوميّ قيمته، وتعلي شأن المشاعر، وتواجه الصمت بالبوح.
إنها كتابة شجاعة، لأن جرأتها لا تأتي من الصراخ، بل من صدقها العميق، ومن قدرتها على تفكيك أكبر الهياكل بمجرد النظر في تفاصيل أبسطها.
الأدب النسوي بين التمرّد والمسؤولية
على الرغم من أن الأدب النسوي يُقرأ أحيانًا كحركة تمرّد فقط، إلا أنه يحمل كذلك مسؤولية معرفية:
مسؤولية مساءلة التاريخ، ونقد الأنظمة الاجتماعية، والتصدي لصورة "المرأة الواحدة" التي حاولت الثقافة حصر جميع النساء فيها.
وهنا تتجلّى أهميته: إنه ليس صراعًا بين المرأة والرجل، بل بين الإنسان والظلم.
بين من يريد للحكاية أن تكون مفتوحة، وبين من يريدها أن تبقى مغلقة.
الكتابة النسوية كنافذة لعالم أكثر عدلاً
لا يسعى الأدب النسوي إلى هدم العالم، بل إلى ترميمه.
إلى إعادة توزيع عدالة جمالية، وعدالة أخلاقية، وعدالة إنسانية.
فعندما تُمنح المرأة فرصة كاملة للتعبير، فإن المجتمع كله يرتقي.
وعندما تُفهم المرأة لا بوصفها كيانًا تابعًا، بل شريكة في إنتاج المعنى، يصبح النص الأدبي أكثر صدقًا، وأكثر قدرة على تمثيل البشر كما هم، لا كما يجب أن يكونوا وفق قوالب مسبقة.
خاتمة: حين يصبح الأدب بيتًا للمرأة… وللإنسان
الأدب النسوي ليس موجة عابرة ولا ظرفًا ثقافيًا، بل هو فضاء إنسانيّ يليق بامرأة قررت أن تكتب نفسها بنفسها، وأن تتنفس عبر اللغة، وأن تحوّل هشاشتها إلى قوة، وصمتها إلى خطاب، وجرحها إلى معرفة.
إنه أدب يصنع في كل نص امرأة جديدة:
أكثر حرية، أكثر وعيًا، وأكثر قدرة على إعادة بناء العالم بالحبر والكلمات.
[email protected]
أضف تعليق