كتبت : عائشة سلطان

ذهبت إلى فيينا للمرة الأولى منذ 15 عاماً، أحببتها منذ المصافحة الأولى التي صافحت فيها عيناي فضاءها الأخضر الريان الباذخ بمجرد أن خرجت من المطار متجهة إلى سيارة الأجرة التي ستقلني للفندق، وأحببتها منذ الخطوة الأولى التي خطوتها ما أن غادرت سيارة الأجرة باتجاه باب الدخول للفندق، وفي الطريق التقطت عيناي عينين باسمتين لسيدة سودانية غاية في الرقة ستجمعني بها صداقة حلوة وسأتعرف على المدينة عبرها، حيث كانت تدير مشروعاً سياحياً صغيراً عبر مكتب يتموضع في زاوية من البهو الشاسع.

عندما تذكر هذه المدينة فإنها تقترن في البال بأمور عديدة جميعها حالمة وأنيقة الوقع، لعل أولها الموسيقى والفنون المختلفة والفروسية والعمار الجميل، والقصور التي تلوح من بعيد، مشيرة إلى ماضٍ ملكي لا زالت آثاره ترفرف على المدينة.

وقفت أمام تمثال الموسيقار الكبير شتراوس حيث بدا منتصباً بشموخ في أجمل حدائق فيينا، يعزف على آلة الكمان وسط طبيعة غناء مبهجة تطل عليها أجمل الفنادق هناك، كدت أشعر بأنني أستمع إلى عزفه بالفعل، فإذا تركت شتراوس لاح لك وجه العبقري موزارت بموسيقاه وسيمفونياته التي ألفها في سن مبكرة جداً، والتي يتردد صداها في أمكنة كثيرة وأنت تعبر أسواق وأزقة فيينا، حيث لن تفتقد صوت الموسيقى في هذه المدينة الأنيقة الحالمة.

بعد أكثر من 15 عاماً، ترسل لي صديقتي صورة من مكان إقامتها في العاصمة النمساوية، عدسة الكاميرا تنفتح على منظر واسع يتيح له الارتفاع الكبير أن يشمل تفاصيل كثيرة، رحت عميقاً في الصورة، رأيتني أجتاز الرصيف، حيث الفندق الذي أسكنه، أدفع عربة صغيرة فيها طفلة تنام بسكينة، ومتجهة إلى الرصيف المقابل، حيث حديقة تعج بالمتنزهين وبحيرة للبط وصغار يلعبون الكرة الطائرة وآخرين يتزلجون على زلاجات خاصة، بينما نصب شتراوس يقف ممسكاً بكمانه كما رأيته أول مرة!