بسم الله الذي جعل لنا الأرض ذلولاً لنمشي في مناكبها، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي امرنا بإعطاء الطريق حقها.
من مزايا الجغرافيا التاريخية التشعُب بالتغيرات التي طرأت على شبكة المواصلات من حقبة تاريخية لأخرى، فقد استُعملت شبكات المواصلات عبر التاريخ من اجل الانتقال من منطقة جغرافية لأخرى؛ فتحسين شبكات المواصلات كانت دافعاً لنمو البلدات وازدها الاقتصادي، فمن خلالها يتم تهيئة ظروف الهجرة امام المهاجرين، وبسطت الراحة امام التجار والعاملين، شهدت هذه المنظومة بعض التغيرات عبر التاريخ، فحتى منتصف القرن العشرين أُطلق عليها اسم طريق والذي يشير للطريق الغير مُعبدة، وفي اعقاب تعبيد الطُرقات اطلق عيه اسم شارع، الذي ساهم بسرعة حركة التُجار والسُكان، في هذه المقالة سوف نقف عند احد مفترقات البلاد القطرية "الخلدية، המוביל" من حيث التغيُرات التاريخية التي أبقت ارثها، والوظائف الجغرافية التي اعتمد من اجلها.
الموقع الجغرافي:
يقع مفترق الخلدية/ המוביל على الأطراف الغربية لسهل البطوف بالقرب من خربة الخلدية احداثيات 240/ 171، والتي ترتفع عن سطح البحر 150 مترا، شمال غرب الناصرة، يحد المفترق من الغرب والجنوب تلال شفاعمرو والبلدات البدوية (الكعبية، الحجاجرة، الزرازير، الجواميس والعيادات) ومن الجهة الشرقية تلال الناصرة التي تمتد من جبال الناصرة غرباً وصولاً للقرى البدوية التي ذُكرت أعلاه، وفي الجهة الشرقية هنالك أيضاَ تلال صفورية التي تمتد من قرية صفورية حتى الالتقاء مع سهل البطوف ( ويُفصلها عن تلال الناصرة مقطع من شارع 79 من مفترق الموفيل حتى مفترق صفورية باتجاه الناصرة اليوم)، ومن الجهة الشمالية سهل البطوف الذي يمتد من (عيلبون شارع 65 شرقاً حتى تلال شفاعمرو غراباً)، بعد التعرُف على الموقع الجغرافي للمنطقة سوف نخوض بالتغيرات التاريخية التي عرفتها المنطقة (الملتقى/ المفترق) من حقبة تاريخية لأخرى، الا انه لا بد من القاء الضوء على الفرق بين مُلتقى ومفترق، فمُلتقى؛ عبارة عن نقطة التقاء ثلاثة محاور (T) ولكن المفترق يتشعب منه أربعة محاور.




ملتقى الخلدية:
قبل قيام الدولة أُطلق على هذا الملتقى اسم الخلدية، نسبةً لقرية الخلدية التي تقع بالقرب من مفترق יפתחאיל اليوم (التقاء شارع 79 مع شارع 784 القادم من كفر مندا وبلدات سهل المل؛ سخنين، عرابة، دير حنا وبلدات الشاغور؛ مجد الكروم، دير الأسد، البعنة والرامة) الوظيفة الجغرافية التي اعتمد لها هذا الملتقى في الماضي هي ربط مروري بين مرج بني عامر بالجنوب وسهل البطوف في الشمال وذلك لاحتضان سهل البطوف خلال فترات تاريخية متعاقبة طريق الحوارنة التي ربطت بين عكا البحر من الغرب وطبريا البحيرة من الشرق وقد مر خط المواصلات على النحو التالي؛ عكا، اعبلين، الضميدة (هنالك اعتقاد بان الضميدة سُميت بهذا الاسم لان سكانها كانوا يُقدمون الإسعاف للمسافرين، بحيث عملوا كمضمدين) ، كفر مندا، بالقرب من خربة مسلخيت، قانا شمال البطوف وصولاً عيلبون الى حطين ومن ثم الى طبريا، بمعنى الوظيفة الجغرافية للمُلتقى حينها هي اقتصادية؛ فمكانة عكا الجغرافية على البحر الأبيض المتوسط جعلها نُقطة انطلاق القوافل الأوروبية التي رست على شواطئها ومن هناك انطلقت الى شرق الأردن وسوريا عبر طريق الحوارنة.
ولكن في أواخر العهد العثماني استُبدلت الطريق، فبعد رفع مكانة شفاعمرو الإدارية بعد تحولها لمركز ناحية عام 1885م، ومركز مدينة عام 1910م وبعد ذلك خلال عهد الحكم البريطاني، تحولت شفاعمرو لموقع استراتيجي يصل اليه المسافرين من عكا/حيفا الى الناصرة، من هنا تحولت الوظيفة الجغرافية للملتقى ربط السهل الساحلي الشمالي بالجليل الأسفل وقلبة مدينة الناصرة.
ملتقى/ مفترق המוביל- الناقل.
بعد قيام الدولة شهد هذا الملتقى عدة تغيرات، التغير الجغرافي الأول كان تغير الاسم ، فقد اطلق عليه اسم ملتقى סוללים، نسبة للتجمع السكاني سولليم الذي أقيم عام 1949م بالقرب من الملتقى، وحتى عام 1980م استمرت وظيفة الشارع الجغرافية كما ورثتها من الحقبة التاريخية البريطانية وهي ربط السهل الساحلي الشمالي مع قلب الجليل ( لا بد من ان نشير ان عبر هذا المُلتقى مرت قوات الهجانا لجيش الدفاع الإسرائيلي بعملية العسكرية النخلة דקל عام 1948م خلال معارك العشرة أيام 9- 18 تموز التي اسفرت عن سقوط قرى وبلدات الجليل الأسفل؛ شفاعمرو، صفورية، عيلوط، الناصرة وغيرها.....) بقي الشارع كما هو عليه حتى سنوات السبعينات، عندما قررت الحكومة ترميمه وتوسيعه من اجل تخفيف الضغط عن طريق حيفا طبريا القديمة (شارع 75)، وفي تاريخ 5 شباط من عام 1975م تم افتتاح الشارع الجديد (سُمي شارع 79، او شارع شفاعمرو- الناصرة) وقد وصل طوله من شفاعمرو للناصرة 22 كيلومتر وعرضه وصل 8 امتار.
وفي 12 شباط من عام 1980 تم افتتاح الطريق التي تربط مُلقتى جولاني (مسكنة) مع سولليم (شارع 77)، وذلك من اجل تسهيل الطريق من السهل الساحلي لمدينة طبريا التي مرت حتى ذلك الحين من منطقة خانوق الناصرة، الرينة، كفركنا ومن هناك لطبريا، وأُطلق عليه ملتقى الموفيل (بالعربية الناقل) نسبة لقربة من موقع مشروع المياة القطري המוביל הארצי، الذي أُعد من اجل نقل المياه من بحيرة طبريا شمالاً الى النقب جنوباً وقد شيد هذا المشروع رئيس الحكومي آنذاك לוי אשכול (لهذا سُميت برك المياه البطوف מאגר אשכול، وكان ليفي اشكول من مؤسسي شركة المياه مكوروت عام 1937م وترأسها حتى عام 1950، وبعد ذلك تبوأ منصب رئيس حكومة إسرائيل من عام 1963م خلفاً لبن جريون حتى عام 1969م وهو من الغى الحكم العسكري على الأقلية العربية في إسرائيل بتاريخ 1 كانون اول من عام 1966م).
وفي عام 1985م تم شق الطريق التي تصل بين مفترق המוביל حتى رمات يشاي وهكذا تحول اسمة من ملتقى لمفترق، بحيث تفرع منه أربعة محاور؛ شرق/شمال طبريا، غرب شفاعمرو/عكا/حيفا، جنوب رمات يشاي ومركز البلاد، شرق الناصرة. وقد ساهم هذا التغير كثيراً بربط شمال البلاد مع مركزها، بحيث حتى عشية القرن ال-21 كان مفترق الموفيل يربط قرى وبلدات الشمال مع شارع 75 ومن هناك لشارع الشاطئ 2 او شارع 65 (المسطرة סרגל) اتصالاً بمركز البلاد، وفي اعقاب افتتاح شارع عابر إسرائيل (شارع 6) الذي وصل في الآونة الأخيرة حتى مفترف الموفيل ساهم بنشاط حركة المرور الجغرافية لمركز البلاد وساهم بربط شمال البلاد مع مركزها وجنوبها.
للختام:
تُعد خطوط المواصلات بنية تحتية مهمة لتسهيل انتقال السكان من منطقة لأخرى، في الماضي اعتمد السكان على وسائل نقل بدائية (دواب) لهذا بقيت المواصلات بدائية وضيقة، ولكن بعد انتعاش الثورة الصناعية امتلأت الطرقات بالمركبات، شهدت شبكة المواصلات العديد من التغيرات، من حيث تعبدها، اتساعها، وزيادة عددها.
الحمد لله الذي بنعمه تتم الصالحات.
 

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]