الشريط الأخباري

دولة الاحتلال وحال الاستعصاء

بقلم: صادق الشافعي
نشر بـ 14/12/2019 15:45 , التعديل الأخير 14/12/2019 15:45
دولة الاحتلال وحال الاستعصاء

 

للمرة الثالثة خلال عام واحد ستذهب دولة الاحتلال إلى انتخابات برلمانية.
ظلت دولة الاحتلال ومنذ قيامها الغاصب حريصة على تقديم نفسها للعالم بصورة نمطية أنها الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة، وأنها دولة مؤسسات يتم التجديد الدوري لها بطرق ديمقراطية، دورية وسلسة في نفس الوقت.
وأنها بذلك، تتميز متقدمة على دول المنطقة.

لم تفلح مشاكل وانتكاسات كثيرة واجهتها دولة الاحتلال في إحداث تغيير جوهري لهذه الصورة النمطية.
ولم يفلح في تغييرها أيضا، تعاملها العنصري مع الأقلية الفلسطينية التي ظلت تعيش على ارضها بوطنها وتحت حكم الاحتلال، ولا استمرار احتلالها للأرض الفلسطينية واستمرار اضطهادها وفاشيتها لأصحاب الأرض وسكانها.

منذ ربيع العام الحالي تعيش دولة الاحتلال حالا متواصلا من الاهتزاز والاختلال لهذه الصورة يصل درجة الانكشاف والشك.
عنوان هذا الحال، هو الاستعصاء والفشل في توليف ائتلاف يمتلك الأغلبية اللازمة لتشكيل حكومة، رغم ذهابها إلى الانتخابات النيابية مرتين، وها هي ذاهبة لها للمرة الثالثة، ومن يدري.

وهذا ما يضع دولة الاحتلال وصورتها النمطية المذكورة أمام تساؤلات والشكوك الجدية، ويلغي تميزها عن دول المنطقة.
حال الاستعصاء الذي تعيشه دولة الاحتلال لا يختلف في جوهره عن حالات شبيهة في المنطقة، وفي خارجها أيضا.
وتبقى شهوة السلطة والحكم هي جوهر وأساس هذا الحال.
خارج حدود شهوة السلطة، هناك اتفاق شبه تام بين البرامج الانتخابية على القضايا التي تقع في صلب اهتمامات مجتمع الاحتلال. وأول هذه الاهتمامات هو استمرار الاحتلال، وتوسعته عبر استيطان الأراضي وضمها مع أهلها، والتنكر لكل حقوق الشعب الفلسطيني كما يقرها المجتمع الدولي، و... ويبقى نتنياهو في مركز وبؤرة شهوة الحكم.
فعلى غرار ما حصل ويحصل في عديد من الأنظمة والدول، وليس في المنطقة وحدها، وبأساليب تتشابه كثيرا. بمجرد اقتراب «موس» التغيير من رقبة نتنياهو حتى اخرج كل شياطين المناورات وكل حيل التسويف والمماطلة والمخادعة، وضرب كل قواعد الديمقراطية والتغيير السلس في مواقع السلطة.
يحصل ذلك بنفس المنطق لدى الدول الأخرى، منطق انه ليس هناك من يصلح للحكم أفضل مني، ولا أحد يعرف مصلحة البلاد والعباد وقادر على خدمتها مثلي، ولا أحد يستطيع تطويرها وتقدمها وحمايتها من أي عدوان غيري.
يرفق ذلك بوعود وإغراءات بادعاء أن لا أحد غيره قادر على تحقيقها، يوجهها بشكل خاص لتلك الفئات الأكثر يمينية وظلامية وتوسعية عدوانية. يقدمها مع إشارات ملازمة وشديدة الوضوح إلى علاقة متميزة ومتفردة تربطه بالرئيس الأميركي واعتماده الواثق على تجاوبه ودعمه له في تحقيق ما يعد به.
لم يكف نتنياهو انه ظل على رأس الحكومة عشر سنوات متواصلة، ولا انه صاحب الرقم القياسي لأطول مدة قضاها رئيس وزراء في موقعه. وانه خلال، فترة حكمه القياسية فصّل الحكم ومؤسساته وإداراته على مقاسه ولصالح استمراره في موقعه وتسلم الى جانب رئاسة الوزراء مسؤولية عدة وزارات: الدفاع والخارجية والصحة و... ونتنياهو، هو من قام بتشكيل الأجهزة الحالية للقضاء والأمن والشرطة، حتى ان المدعي العام الذي يوجه الاتهامات له الآن، كان في العام 2015 سكرتيرا له. وهو الآن يهاجمهم ويتهمهم ويدعو لوضعهم موضع المساءلة بدلا منه.
المأزق القضائي الجاد الذي يعيشه نتنياهو شكل عاملا إضافيا وحاسما، لتمسكه بموقع رئيس الوزراء في مسعى منه لاستغلال الموقع للنجاة من هذا المأزق. خصوصا ان المأزق الى جانب تهديده بإنهاء حياته السياسية فإنه يهدد جديا بسجنه.
حال الاستعصاء المذكور يفتح الأبواب واسعة على كل الاحتمالات. ففي الأمور المتعلقة بمجتمع دولة الاحتلال وقواه السياسية والمجتمعية تحضر احتمالات التغير في العلاقات والتحالفات فيما بينها وإمكانية انتهاء وجود قوى قائمة، وتشكل قوى وتكتلات جديدة.
أما في العلاقة مع المحيط، وبالذات الوطني الفلسطيني، فتحضر في المركز الاحتمالات:
- زيادة الهجمة اليمينية على أهلنا في مناطق 1948 وقواها السياسية والمجتمعية في مسعى لتقليل حضورهم ونسبة نجاحهم في الدورة الانتخابية الجديدة.
- التنافس في تقديم الوعود لمجتمع دولة الاحتلال، التي تنفتح لها شهية معظم أوساطه. وربما تحقيق بعضها، وبالذات توسيع الاستيطان وضم مناطق وبشكل خاص غور الأردن وشمال البحر الميت. - التبادل بين الوعود والإغراءات المخادعة، وبين التهديدات، مع احتمال أعلى لتحول هذه التهديدات الى أفعال عدوانية فعلية يختلف حجمها حسب الحاجة والطلب الانتخابيين.
لكن حال الاستعصاء يفتح الأعين أيضا على حقائق كثيرة متعلقة بدولة الاحتلال ومجتمعها الاحتلالي (او تعيد تأكيدها). أولى هذه الحقائق واهمها، انه لا يمكن للديمقراطية بقيمها الإنسانية وتعبيراتها وترجماتها والعلاقات المجتمعية التي تبنيها ... لا يمكن لها ان تقوم وتنمو وتتكرس في واقع ومناخ من الفكر اليميني المتطرف الغارق في العنصرية والفاشية.
ولا ان تعيش في مجتمع يقوم على احتلال أراضي الغير ويتمسك بديمومة احتلاله، ويمارس ضد سكانها الأصليين التهجير والإبعاد والتمييز والعنصرية والفاشية والقهر والقمع وحرمانهم من كل الحقوق الإنسانية كما يقرها المجتمع الإنساني العالمي.
 

أضف تعليق

التعليقات