شكّل استهداف زعيم تنظيم «داعش» المتطرف أبو بكر البغدادي صدمةً في صفوف مقاتليه الذين يختبئون في الشمال السوري، والذين يقل عددهم يوماً بعد يوم نتيجةً لتغير موازين القوى في هذا النزاع الذي ترجح كفته للجيش السوري.

قبل أكثر من عامين تقريباً كان «داعش» يتمتع بالقوة التي تجعله يغير قواعد اللعبة بحكم المساحات الجغرافية الكبيرة التي كان يسيطر عليها في سورية، غير أن معتقداته المتطرفة وتوسع هجومه إلى خارج الحدود السورية، عجّل بهزيمته.
والعملية العسكرية الأميركية الأخيرة التي استهدفت البغدادي في إدلب ستُسرّع من هزيمة هذا التنظيم الذي يتداعى نتيجةً للإجماع الدولي على ضرورة القضاء عليه، والعداوة التي تكنها وتحملها مختلف أطراف النزاع ضده.
نفوذ «داعش» تراجع كثيراً في العامين المنصرمين، وتقلص وجوده إلى درجة أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قال مرتين أو أكثر إن هذا التنظيم لم يعد موجوداً في سورية، بينما نصحه مستشاروه بعدم التعجل في الخروج من الشام.
«داعش» لايزال موجوداً في شمال سورية لكن بأعداد قليلة، وقد استفاد مؤخراً من العملية العسكرية التركية التي استهدفت الأكراد الذين كانوا يركزون في معاركهم للقضاء على هذا التنظيم المتطرف، بمساعدة التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية.
وعلى الرغم من عدم استقرار الأوضاع في شمال شرق وغرب سورية بسبب توقف الأكراد عن محاربة «داعش» والفرار بجلدهم من تركيا إلى العمق السوري، إلا أن التنظيم المتطرف سيصعب عليه لملمة صفوفه والعودة إلى ما كان عليه في السابق.
أول الواقفين ضد هذا التنظيم هو الجيش السوري الذي لن يرغب بالتأكيد في وجود تنظيم متطرف يهدد أمن واستقرار البلاد، وكذلك الحال روسيا التي تقف إلى جانب الحكومة السورية لاستعادة أمجاد الأولى حينما كان الاتحاد السوفيتي في وقته منافسا قويا للولايات المتحدة في قيادة النظام الدولي.
أيضاً لا تريد تركيا أن يكون هناك أي خطر «داعشي» يهدد أمنها ويقلق حدودها، لكنها تستعدي الأكراد وتدرك أن ثمة من يلاحق التنظيم الإرهابي، وحينما تطمئن من إزالة التهديد الكردي من المحتمل أن تساعد في القضاء التام على «داعش».
أما الولايات المتحدة الأميركية التي أوجدت «مطرحاً» لها في سورية تحت مظلة محاربة «الدواعش»، يبدو أنها لا تريد المغادرة لنفس الاعتبار الذي تكرر طرحه، علماً بأن ترامب سبق وأن أعطى أوامره لإنهاء وجود قواته من سورية.
غير أن مستشاري ومعارضي الرئيس الأميركي دفعوه لإعادة التفكير في مسألة الرحيل وترك الساحة خالية لروسيا، ودفعه الأمر إلى تأجيل الخروج ووضع اليد على حقول النفط السورية في الشمال بدعوى حمايتها من فلول «داعش».
يلحظ أن واشنطن لا ترغب في الخروج من سورية بدون مقابل، ويبدو أنها تبحث عن ثمن لذلك، وإلا لماذا سيطرت على حقول النفط السورية، وقال رئيسها ترامب إن من يريد السيطرة على هذه الحقول فإن عليه مفاوضة الولايات المتحدة الأميركية؟
لقد تحدث الرئيس الأميركي صراحةً عن رغبته في عقد صفقة مع شركة إكسون موبيل أو واحدة من كبريات الشركات النفطية لاستخراج النفط السوري، ولا أحد يمكنه أن يتوقع حول ماذا يفكر ترامب، لكن المؤشرات تقول إن واشنطن لن تترك سورية بسهولة.
من المحتمل أنه يريد الاستفادة من الموارد النفطية لبعض الوقت، أو أنه مستعد للتفاوض حول تقاسم أرباح استخراج النفط مع الروس والسوريين، ولربما يربط رحيل قواته ببعض الترتيبات التي قد يكون عنوانها سورية أو يتجاوز هذه الرقعة الجغرافية.
قد يضع ترامب حداً لمصير قواته بالحصول على ضمانات روسية بعدم المساس بأكراد سورية ودمجهم في النظام السياسي الجديد، أو أنه يريد ترتيبات أمنية لحماية أمن إسرائيل واستبعاد فكرة معاداتها والتفكير في استعادة هضبة الجولان.
بعيداً عن ما تطمح إليه واشنطن فهي «تشرعن» إن جاز التعبير وجودها بالتركيز على الخطر الذي يمكن أن يسببه «داعش» في المستقبل، ولعل الروس والسوريين لن يضغطوا كثيراً في الوقت الحالي على مسألة رحيل القوات الأميركية طالما وأن هناك ملفات مفتوحة وأكثر اهتماماً بحاجة إلى حل مثل مصير الأكراد وملف إدلب والمنطقة الآمنة.
«داعش» قد يلجأ في الأيام المقبلة إلى فعل انتقامي، لكن تأثيره ربما سيكون محدوداً بالإمكانيات التي يمتلكها وموعد أجله اقترب، والمنطقة الآمنة التي تطالب تركيا إقامتها بالعمق الذي تتطلع إليه، سيقضي على ما تبقى من عناصر إرهابية «داعشية».
مع ذلك يحتاج موضوع «تفنيش» هذا التنظيم إلى غير رجعة، تضافر الدول المؤثرة في النزاع السوري، ذلك أن عديد فصائل التنظيم ليسوا سوريين فقط وجندوا وجاؤوا من دول كثيرة، والأولى ضبط الحدود ومواصلة ملاحقة العناصر «الداعشية» أينما كانت.
أيضاً يجوز القول إن هناك وعيا متشكلا ويزيد انتشاراً بين الناس بأن معتقدات هذا التنظيم مشوهة وغير نظيفة، ولذلك فقد قاعدته الجماهيرية وخسر الكثير من المناصرين لقضيته المتطرفة، وبموت البغدادي سيموت «داعش» إن عاجلاً أم آجلاً.