تجمع مدينة طرابزون، الواقعة شمال شرقي تركيا على ساحل البحر الأسود، بين الطبيعة الخلابة والمعالم التاريخية العريقة والتقاليد المحلية الغنية، لتقدم لزوارها تجربة سياحية تتجاوز مجرد مشاهدة المناظر الطبيعية، وتأخذهم في رحلة بين الحضارات والمذاقات والحرف التراثية.
وفي تقرير نشرته مجلة «سيدتي»، تستعرض سلطانة كيروز أبرز محطات زيارة المدينة، التي تمتد حكاياتها من الأديرة والكنائس التاريخية إلى الأحياء العثمانية القديمة والأسواق والمطابخ الشعبية.
ترحيب حار وعادات متوارثة
تقع طرابزون في منطقة الأناضول شمال شرقي تركيا، ويشتهر سكانها بالشهامة وحسن استقبال الضيوف والسياح، حيث ترافق التحية عادة ابتسامة وسؤال عن الحال.
ومن العادات اللافتة لدى الرجال مصافحة بعضهم باليد، ثم ملامسة جانبي الرأس بخفة، بدءًا من الجانب الأيمن وصولًا إلى الأيسر، في تقليد يعكس خصوصية العادات الاجتماعية في المدينة.
دير سوميلا.. تحفة تاريخية عند سفح الجبل
على سفوح جبل قره داغ، وعلى ارتفاع نحو 1200 متر فوق سطح البحر، يقع دير سوميلا المطل على وادي ألتين ديرة في منطقة ماتشكا، ويُعد من أبرز المعالم التاريخية والدينية في طرابزون.
ويتطلب الوصول إلى الدير رحلة صعود شاقة، لكن المشهد البانورامي الذي يستقبل الزائرين يستحق عناء الطريق، فيما يحتفظ المكان بجدارياته وأيقوناته التي تروي جانبًا من تاريخه الطويل.
وتعرض الدير للخراب والترميم مرات عدة عبر التاريخ، قبل أن يصل إلى صورته الحالية في القرن الثالث عشر. وبعد خضوع الساحل الشرقي للبحر الأسود للحكم التركي، مُنح الدير الحماية السلطانية، إلى جانب عدد من الحقوق والامتيازات.
فيلا أتاتورك.. ذاكرة تاريخية وسط الحدائق
تُعد فيلا أتاتورك من المحطات البارزة في طرابزون، وقد شُيّدت عام 1890 على يد تاجر يوناني محلي، قبل أن تتحول إلى متحف يستحضر ذكرى مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس الجمهورية التركية وأول رؤسائها.
وتضم الفيلا غرفًا وتفاصيل معمارية تستعيد مرحلة مهمة من تاريخ تركيا، وتحيط بها حديقة واسعة تتناثر فيها الأشجار والزوايا الهادئة، وتوفر إطلالات جميلة على الطبيعة المحيطة.
وتفتح الفيلا أبوابها أمام الزوار، لتقدم لهم فرصة التعرف إلى مقتنياتها وتفاصيلها التاريخية.
مذاقات طرابزون.. من الكويماك إلى أسماك البحر الأسود
لا تكتمل زيارة طرابزون من دون التعرف إلى مطبخها الشعبي، الذي يجمع بين منتجات الأرض وخيرات البحر الأسود.
ويتقدم طبق «الكويماك» قائمة الأطباق المحلية، وهو مزيج من دقيق الذرة والزبدة والجبن المذاب، يقدم ساخنًا مع الخبز الطازج، ويتميز بقوامه الغني والجبن الممتد بخيوطه.
واكتسب الطبق شهرة إضافية بعد ظهوره في المسلسل التركي «هذا البحر سوف يفيض»، ليصبح حاضرًا في أحاديث محبي المطبخ التركي.
كما تشتهر المدينة بالكباب والكفتة المشوية، إلى جانب الأسماك الطازجة القادمة من مياه البحر الأسود، في مزيج يعكس ارتباط سكان المنطقة بالبر والبحر.
آيا صوفيا.. معلم يروي تعاقب الحضارات
على تلة تطل على البحر الأسود، يقف معلم آيا صوفيا التاريخي، الذي يُعد من أبرز الشواهد المعمارية في طرابزون.
وشُيّد المبنى في القرن الثالث عشر ككنيسة بيزنطية، قبل أن يتحول إلى مسجد عقب فتح طرابزون على يد السلطان محمد الثاني، المعروف بمحمد الفاتح.
ويجمع المعلم بين ملامح العمارة البيزنطية الشرقية والطابع الديني والتاريخي، ويمنح زواره فرصة لاستكشاف مراحل مختلفة من تاريخ المدينة، في موقع يطل على مشهد البحر الأسود.
الحديقة النباتية.. مساحة خضراء للراحة والتأمل
في حي تشاموبا وسط طرابزون، تمتد الحديقة النباتية على مساحة تبلغ نحو 105 آلاف متر مربع، لتشكل واحة خضراء تجمع بين الأشجار والمسطحات المائية والمساحات المخصصة للاسترخاء.
وتضم الحديقة أنواعًا نباتية متعددة، إلى جانب أشجار وشجيرات متنوعة، وقد بلغ عدد أنواع النباتات فيها، حتى أكتوبر 2022، نحو 516 نوعًا، فيما وصل عدد الأشجار والشجيرات إلى نحو 21,500.
متحف طرابزون.. حارس الذاكرة والتراث
يقع متحف طرابزون داخل قصر كوستاكي، أحد النماذج المميزة للعمارة الأوروبية في تركيا، والذي شُيّد في أوائل القرن العشرين.
ويضم المتحف مجموعة من القطع الأثرية والإثنوغرافية التي توثق الحقب التاريخية التي مرت بها المنطقة، إلى جانب تقاليد سكانها وفنونهم الشعبية.
وخلال حرب الاستقلال التركية، استُخدم القصر مقرًا للقيادة، كما أقام فيه مصطفى كمال أتاتورك خلال زيارته الأولى إلى طرابزون عام 1924. وفي عام 2001، افتُتح القصر أمام الجمهور بوصفه متحفًا.
وتشمل مقتنياته الحلي والمخطوطات والأيقونات والملابس التراثية المطرزة، التي تعكس تنوع الفنون والحرف التقليدية في المنطقة.
أورتا محلة.. أزقة عثمانية تطل على البحر
في قضاء أقجة أباد، يقع حي أورتا محلة، الذي يحتفظ بطابعه العثماني القديم، من خلال الأزقة الضيقة والدروب المرصوفة بالحجارة والبيوت التقليدية ذات الشرفات الخشبية والأسقف الواسعة.
ويمنح التجول في الحي إحساسًا بالعودة إلى الماضي، فيما تكشف النوافذ والشرفات عن تفاصيل العمارة المحلية، وتطل بعض زواياه على مشاهد جميلة للبحر الأسود.
وقد صُنفت المنطقة محمية تاريخية عام 1988، حفاظًا على طابعها المعماري وتراثها العمراني.
الكازازية.. حرفة تنسج الفضة والحرير
ومن أبرز ما تتميز به طرابزون حرفة الكازازية، وهي فن تقليدي تتوارثه الأجيال، يقوم على نسج خيوط الفضة والحرير يدويًا لإنتاج قطع فنية من الحلي والمجوهرات.
ويعمل الحرفيون على لف خيوط الفضة الرقيقة حول الحرير، ثم تشكيلها إلى عقد وضفائر دقيقة من دون استخدام الآلات أو اللحام، لتتحول إلى قلادات وأساور مزينة أحيانًا بالأحجار الكريمة.
وتبرز بين هذه المشغولات «عقد الحب»، التي تتميز بتشابك خيوطها، وتحمل جانبًا من الهوية الحرفية والتراثية للمدينة.
طرابزون ليست مجرد وجهة سياحية على ساحل البحر الأسود، بل مدينة تتداخل فيها الطبيعة مع التاريخ، وتلتقي فيها التقاليد بالمذاقات والحرف اليدوية، لتمنح زوارها تجربة غنية تبقى تفاصيلها حاضرة في الذاكرة
[email protected]
أضف تعليق