أكد د. ميخائيل ميلشتاين، رئيس منتدى الدراسات الفلسطينية في مركز ديان بجامعة تل أبيب، أن المجتمع العربي شهد قبيل انتخابات الكنيست حالة استثنائية من الاستنفار والرغبة في المشاركة السياسية، رغم تصاعد محاولات نزع الشرعية عن الأحزاب العربية واستبعادها من الشراكة في تشكيل الحكومات. وأوضح في مقال تحليلي أن الشعور المتزايد بالتهديد لمكانة المواطنين العرب وحقوقهم المدنية دفع قطاعات واسعة إلى التعامل مع الانتخابات باعتبارها محطة مصيرية تتجاوز المنافسة الحزبية التقليدية.

وأشار ميلشتاين إلى أن قضايا الأمن الشخصي، والجريمة والعنف، وهدم المنازل، والمساواة المدنية، ومستقبل الأجيال الشابة، شكّلت عوامل مركزية في تنامي الحراك الانتخابي. وأضاف أن المخاوف من استمرار السياسات القائمة عززت القناعة لدى كثيرين بأن المشاركة في الانتخابات تمثل وسيلة للتأثير في مستقبل المجتمع العربي، حتى في ظل الشعور بالإقصاء السياسي وتراجع الثقة بإمكانية تحقيق شراكة حقيقية مع الأحزاب اليهودية.

وأوضح أن المجتمع العربي شهد خلال الفترة التي سبقت الانتخابات نشاطًا جماهيريًا واسعًا، تخللته حملات توعية وتشجيع على التصويت، بمشاركة رؤساء سلطات محلية ومؤسسات مجتمع مدني وناشطين اجتماعيين. ولفت إلى أن الشعارات التي انتشرت، ومنها «غيابنا كلّفنا كثيرًا»، عبّرت عن إدراك متزايد لتبعات الامتناع عن التصويت، مشيرًا إلى أن حالة الاستنفار كانت واضحة بصورة خاصة في النقب، على خلفية تصاعد عمليات هدم المنازل وتأثيرها المباشر على حياة المواطنين.

ولفت ميلشتاين إلى أن مشاركة الشباب كانت أحد أبرز العوامل التي قد تحدد حجم التمثيل العربي في الكنيست، موضحًا أن هذا الجيل نشأ في ظل أزمات متلاحقة، بينها جائحة كورونا والحرب على غزة والتحديات الاقتصادية والاجتماعية. وأضاف أن دافع المشاركة لدى قسم من الشباب لم يكن بالضرورة الشعور بالانتماء إلى النظام السياسي، بل الغضب من الواقع القائم، إلى جانب استمرار الإيمان بإمكانية التأثير من خلال الوسائل الديمقراطية.

التمثيل العربي بين تحديات الإقصاء وفرص التأثير السياسي

وتطرق ميلشتاين إلى العلاقة بين القائمة المشتركة والقائمة العربية الموحدة، مشيرًا إلى أن المصالح السياسية المشتركة ساهمت في تخفيف حدة الخلافات التقليدية بينهما، ودفعت نحو تعزيز التنسيق وتوقيع اتفاق فائض أصوات. وأوضح أن ارتفاع نسبة التصويت في المجتمع العربي يمكن أن يعزز الوزن البرلماني للقائمتين، ويمنحهما دورًا مؤثرًا في موازين القوى السياسية، خصوصًا في ظل التنافس بين الكتل على تشكيل الحكومة.

وحذّر ميلشتاين من أن استمرار استبعاد الأحزاب العربية ورفض التعامل معها كشريك سياسي قد يؤدي إلى تعميق الشعور بالاغتراب والإحباط لدى المواطنين العرب. وأشار إلى أن التناقض بين مطالبة المجتمع العربي بالمشاركة الديمقراطية وبين رفض الاعتراف بشرعية تأثير ممثليه يضع النظام السياسي أمام تحدٍّ جوهري، وقد ينعكس سلبًا على الثقة بالمؤسسات وعلى مستقبل العلاقات بين العرب واليهود في إسرائيل.

واختتم ميلشتاين تحليله بالتأكيد على أن المجتمع العربي، الذي يجري التعامل معه في بعض الأوساط السياسية باعتباره طرفًا مستبعدًا، يمكن أن يتحول إلى عنصر مؤثر في تحديد موازين القوى السياسية. واعتبر أن الاختبار الحقيقي لا يقتصر على حجم المشاركة في صناديق الاقتراع، بل يمتد إلى استعداد القوى السياسية للاعتراف بشرعية التمثيل العربي والتعامل معه باعتباره جزءًا أساسيًا من العملية الديمقراطية، محذرًا من أن استمرار الإقصاء قد يفاقم الانقسامات ويضر بالطابع الديمقراطي للدولة.

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]