د. ميخائيل ميلشتاين لـ«بكرا»: التوسع ليس وصفة للأمن

يرى د. ميخائيل ميلشتاين، رئيس منتدى الدراسات الفلسطينية في مركز ديان بجامعة تل أبيب، أن الاستيلاء على الأراضي أصبح ركيزة أساسية في السياسة الأمنية الإسرائيلية منذ السابع من أكتوبر.

وأشار إلى أن الاتفاق مع لبنان يبدو بمثابة «سُلّم» لانسحاب إسرائيلي محتمل، وهو أهون الشرين وأكثر ملاءمة من مواصلة الحرب واحتلال الأراضي دون خطة منهجية.

وفي حديثه لموقع «بكرا»، شدّد ميلشتاين، مؤلف كتاب «جيل الطوفان»، على ضرورة التفكير في بدائل للوجود غير المحدد المدة والهدف على الجبهات الثلاث.


الاستعداد للحرب السابقة
قال د. ميخائيل ميلشتاين إن من أبرز ردود الفعل على الهجمات المفاجئة التي تُسبب صدمة جماعية، قيام الطرف المُستهدف بإنشاء مشاريع ضخمة، يُنظر إليها على أنها رد فعل على التهديد المُكتشف، وضمانة لعدم تكرار فشل الماضي.

وأضاف أن هذا يكون عادةً استعدادًا لتحديات الحرب السابقة، بينما يُحضّر العدو بالفعل لنوع مختلف من الحروب. وكان الهدف من خط ماجينو، الذي بناه الفرنسيون بين الحربين العالميتين، هو صدّ الغزوات الألمانية التي انطلقت عبر الحدود بين البلدين، لكنه أثبت عدم جدواه عندما شنّت ألمانيا هجومها عام 1940، التفافًا من أراضي بلجيكا.

ونوّه إلى أن الحاجز الذي أُقيم على حدود غزة بعد عملية الجرف الصامد عام 2014، أوقف أيضًا عمليات التسلل إلى الأراضي الإسرائيلية عبر الأنفاق في 7 أكتوبر، لكنه انهار أمام غارة برية واسعة النطاق.

الاستيلاء على الأراضي ركيزة أمنية
وأشار ميلشتاين إلى أنه منذ 7 أكتوبر، أصبح الاستيلاء على الأراضي ركيزة أساسية في السياسة الأمنية الإسرائيلية، ويجري تنفيذه في لبنان وغزة وسوريا.

وأوضح أن هذا يُقدَّم كدرس رئيسي من فشل 7 أكتوبر، يهدف إلى ضمان حماية التجمعات القريبة من خطوط الحدود وإبعاد العدو عنها، وهناك من يضيف «الرؤية» القائلة إن «العربي لا يفهم إلا عندما تُنتزع منه أرضه»، ما يعني تعزيز صورة إسرائيل كرادع.

وأضاف أن نتنياهو وكاتس يُقدِّمان الرؤية نفسها، إذ يُصرِّحان باستمرار بأن إسرائيل لن تنسحب من الأراضي التي احتلتها.

ومع ذلك، أشار إلى أن التفكير النقدي والذاكرة يُظهران أن فشل السابع من أكتوبر لم يكن نابعًا أساسًا من وجود العدو قرب الحدود، بل من سيطرة الغطرسة والغرور على إسرائيل، إلى جانب ازدراء العدو وفهمٍ قاصر لمنطقه، وظهور فكرة مفادها إمكانية تغيير سلوكه عبر حوافز اقتصادية.

وتابع أنه في مثل هذه الحالة، حتى لو كانت الحدود كما هي عليه اليوم، لكان من الممكن شن هجوم مفاجئ وحاسم على إسرائيل.

تساؤلات حول الخطة الاستراتيجية
وشدّد ميلشتاين على أنه لا شك في أن من الأفضل أن يكون العدو بعيدًا عن المستوطنات الحدودية شمالًا وجنوبًا، وألا يطوّر بنية تحتية تُهدد الحدود.

ومع ذلك، طرح تساؤلات جوهرية: إلى متى يُراد احتلال الأراضي المُحتلة على الجبهات الثلاث؟ وإضافةً إلى السيطرة على الأراضي، أو ما تُسميه إسرائيل «الزحف التدريجي» في سياق غزة، هل هناك خطة استراتيجية؟ وكيف سنتصرف في مواجهة الضغوط الخارجية المتزايدة للانسحاب، كما بدأ بالفعل في لبنان؟

وأضاف أنه من الضروري إدراك أن استمرار الاستيلاء على الأراضي يعيق التطبيع مع الدول العربية، التي تشعر بالفعل بالفزع مما تعتبره «مؤامرة للتوسع الإقليمي على حسابها».

ونوّه إلى أنه يُوصى بتجريد الاستيلاء على الأراضي من أي دلالات أيديولوجية، ولا سيما الرؤية القطاعية المرتبطة بالحركة الصهيونية الدينية، التي يصرح ممثلوها في الحكومة والكنيست بأنها يجب أن تشمل أيضًا الضم والطرد وإقامة المستوطنات.

وفي الوقت نفسه، شدّد على أنه يُوصى بتجريد الاستيلاء على الأراضي من أي دلالات أيديولوجية، ولا سيما الرؤية القطاعية المرتبطة بالحركة الصهيونية الدينية، التي يصرح ممثلوها في الحكومة والكنيست بأنها يجب أن تشمل أيضًا الضم والطرد وإقامة المستوطنات.

وأوضح أن ترسيخ الصورة القائلة إن الاستيلاء على الأراضي في الساحات الثلاث، إلى جانب الجهود الاستيطانية المكثفة في الضفة الغربية، ينبع من دوافع دينية لا تمثل عموم الشعب، وتُخفى وراء تبرير استراتيجي ظاهري، وهو «حيثما يوجد استيطان، لا يوجد إرهاب»، سيؤدي إلى تصعيد الجدل الداخلي حول هدف الحرب.

محاولة لإثبات إنجازات
وقال ميلشتاين إن التمسك بالأراضي يُقدَّم حاليًا على أنه «ركيزة وجودنا»، بينما يبدو التلاعب بهذه القضية محاولة من القيادة لإثبات إنجازات في فترة تراجع استراتيجي، في ضوء الاتفاق مع إيران الذي يهدد مصالح إسرائيل، وتضييق هامش تحرك إسرائيل في لبنان، والغموض المحيط بالاستيطان في هذه الساحة، وتصاعد التوتر بين نتنياهو وترامب.

وأضاف أن كل هذا يُثير تساؤلات حول جدوى حرب «زئير الأسد»، وما إذا كان ضررها يفوق نفعها، وبشكل عام، ما إذا كانت الظروف التي كانت سائدة قبل هذا الصراع قد ساءت.

وأشار إلى أنه، في الواقع، ومنذ نحو أسبوع، تمر إسرائيل بمرحلة صعبة من التراجع إلى الواقع والعودة إلى مكانتها التي فقدتها منذ بداية عهد «زئير الأسد»، مصحوبة بأوهام حول انهيار النظام الإيراني، والقضاء على الأعداء، وإعادة تشكيل الشرق الأوسط، بينما تلوح في الأفق «تأملات» حول إعادة رسم حدود سايكس-بيكو، في ظل دعم أمريكي كامل لإعادة هندسة البنية الإقليمية.

الاتفاق مع لبنان وبدائل الوجود العسكري
وأوضح ميلشتاين أن الصحوة بدأت مع الاتفاق مع إيران، وزادت حدتها مع الاتفاق مع لبنان مؤخرًا، ويبدو هذا الأخير بمثابة «سُلّم» لانسحاب إسرائيل المحتمل من جنوب لبنان، وهو أهون الشرين وأكثر ملاءمة من مواصلة الحرب واحتلال الأراضي دون خطة منهجية.

ومع ذلك، شدّد على أنه لا بد من الحفاظ على نهج واقعي، فالحكومة اللبنانية لا تزال ضعيفة، وحزب الله، الذي يرفض الاتفاق، قوي ولا يُتوقع له الزوال.

وأضاف أن هدف إسرائيل الرئيسي لا يكمن في السيطرة على الأراضي، بل في الحفاظ على حرية العمل في مواجهة التهديدات المستقبلية، مثل مساعي حزب الله لتعزيز موقعه وعودة إيران إلى لبنان.

ونوّه إلى أنه، لتحقيق هذه الغاية، من الضروري الحفاظ على علاقات طبيعية مع ترامب، رغم التوتر الراهن، مع إثبات قدرة إسرائيل على إدارة شؤونها السياسية، وأنها لا تقتصر على الأنشطة العسكرية.

وفي ختام حديثه، أشار ميلشتاين إلى أنه يُنصح بالبدء في التفكير في بدائل للوجود غير المحدد المدة والهدف على الجبهات الثلاث، بدءًا بنشر قوات أجنبية أو محلية، والإشراف الأمريكي، واستمرار السيطرة على النقاط الاستراتيجية الرئيسية، وخاصة محور فيلادلفيا.

وأضاف أن الأهم من ذلك كله هو ضمان حرية العمل في مواجهة أي تهديد ناشئ في العمق، لا سيما في المنطقة الحدودية، مع إظهار المبادرة والقدرة على الهجوم وفق مبدأ «الوقاية»، إلى جانب اليقظة المستمرة ضد عدو لا يمكن «القضاء عليه» في أي ساحة، وتجنب سياسة الاحتواء والتقييد التي سادت حتى قبل ثلاث سنوات.

وختم قائلًا إن المطلوب، بعبارة أخرى، هو تطبيق دروس فشل السابع من أكتوبر والمفهوم الذي يقوم عليه، والذي يتحمل مسؤوليته أولئك الذين يسعون اليوم إلى تشكيل الواقع دون الاعتراف بفشلهم أو التشكيك فيه.

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]