قالت د. ميسون شحادة ارشيد، المحاضرة في كلية سخنين الأكاديمية للتربية والجامعة المفتوحة، في تصريحات لـ"بكرا"، إن فهم خيارات الناخبين العرب يتطلب النظر إلى ظروفهم الاقتصادية ومكانتهم الاجتماعية، إلى جانب مواقفهم الوطنية والأيديولوجية، محذّرة من تحويل الانتماء الحزبي إلى معيار للحكم على وعي الناس وقدرتهم على التفكير.

وأوضحت أن النقاش الانتخابي في المجتمع العربي يتناول قضايا الهوية الوطنية والدين والعلاقة بالدولة، وجدوى التأثير من داخل الائتلاف الحكومي أو من خارجه، لكنه يمنح اهتمامًا أقل لما يكشفه الاختيار السياسي عن موقع الناخب الاجتماعي، وعن رغبته في الانتماء إلى محيط معين أو الحصول على تقديره.

وأكدت أن طرحها لا ينتقص من صدق القناعات السياسية، وإنما يدعو إلى فهمها ضمن سياقها، إذ يمكن للإيمان بموقف ما أن يترافق مع مصالح اقتصادية وعلاقات اجتماعية وشعور بالانتماء.

الدخل والتعليم وعلاقتهما بالاختيار

وأشارت شحادة ارشيد إلى أن المجتمع العربي شهد خلال العقود الثلاثة الماضية نمو طبقة وسطى من الأطباء والمحامين والمعلمين والمهندسين وأصحاب الأعمال والعاملين في التكنولوجيا، مقابل استمرار الفقر والعمل بأجور منخفضة ونقص الخدمات في بلدات أخرى.

ولفتت إلى دراسة شملت 63 بلدة عربية عبر سبع دورات انتخابية، وجدت ارتباطًا بين ارتفاع الدخل في البلدة وزيادة حصة الأحزاب العربية من الأصوات على حساب الأحزاب اليهودية. وبحسب تفسير الباحثين، فإن تحسن الوضع الاقتصادي يقلل اعتماد المواطنين على أحزاب الأغلبية للحصول على الخدمات والميزانيات، ويمنحهم مساحة أوسع للتصويت وفق هويتهم وقناعاتهم.

لكنها شددت على أن هذه النتائج تتعلق بالبلدات، ولا تتيح الجزم بدوافع كل ناخب على حدة، كما لا تعني أن التصويت ينقسم ببساطة بين متعلمين وغير متعلمين أو بين طبقات اقتصادية محددة.

وأضافت أن التعليم الأعلى لا يقود بالضرورة إلى شعور أقوى بالاندماج، مستشهدة باستطلاع أجراه مركز موشيه ديان في أيار الماضي، قال فيه 70.7% من حملة الماجستير والدكتوراه إن العلاقات بين العرب واليهود ليست جيدة، مقابل 51.8% من أصحاب التعليم الابتدائي.

المكانة الاجتماعية وحدود النقد السياسي

وانطلاقًا من ذلك، دعت شحادة ارشيد إلى التمييز بين الوضع الاقتصادي والمكانة الثقافية، موضحة أن الأخيرة تشمل التعليم والعلاقات وأسلوب الحديث والقدرة على تحديد المواقف التي تحظى بالاحترام داخل محيط معين.

ورأت أن تأييد حزب قد يتحول، في بعض الأوساط، إلى ما يشبه شهادة بالوعي والثقافة، بينما يصبح اختيار حزب آخر سببًا لمطالبة صاحبه بإثبات أنه ليس جاهلًا أو تابعًا أو بلا مبادئ.

وفي هذا السياق، تناولت بعض أشكال التعامل مع ناخبي القائمة العربية الموحدة، مؤكدة أن الخلاف معها بشأن الدين والمجتمع والمشاركة في الائتلاف الحكومي خلاف قائم وله أسبابه، وأن الاعتراض على نهجها يمكن أن يستند إلى موقف سياسي متماسك.

وأضافت أن المشكلة تبدأ حين يتحول نقد الحزب إلى استخفاف بقدرة ناخبيه على التفكير والاختيار، معتبرة أن النخب تضيق حرية الاختيار عندما تمنح أصحاب موقف معين اعترافًا بالوعي، وتحجبه عمن يختارون غيره.

وأوضحت أن حديثها عن أثر المكانة والقبول الاجتماعي يمثل فرضية تفسيرية تحتاج إلى بحث، ولا يشكل نتيجة مثبتة تفسر دوافع جميع المعترضين على الموحدة.

كما أكدت أن الضغط الاجتماعي قد يعمل في الاتجاه المعاكس، ففي بيئات دينية أو عائلية أو محلية يكون فيها تأييد الموحدة أو قائمة معينة هو السائد، قد يواجه مؤيدو الجبهة أو العربية للتغيير أو التجمع كلفة اجتماعية بسبب إعلان موقفهم.

احترام الناخب ومخاطبة حياته

وقالت شحادة ارشيد إن هذا التأثير المحتمل يطرح سؤالًا عن الفارق بين ما يفضله الناس سرًا وما يستطيعون إعلانه أمام أصدقائهم وزملائهم، مشيرة إلى الحاجة لدراسة تقارن بين الأمرين، بدل الاكتفاء بافتراض دوافع الناخبين.

ودعت إلى إخضاع مختلف الخيارات للمعايير نفسها، موضحة أنه إذا جرى تفسير تأييد الموحدة بالعلاقات والمصالح والتقاليد، فينبغي فحص أثر الشبكات الاجتماعية والمكانة والرغبة في الانتماء على تأييد الأحزاب الأخرى أيضًا.

وربطت ذلك بقدرة الأحزاب على مخاطبة حياة المواطنين، لافتة إلى أن 71.3% من المشاركين في استطلاع أيار اعتبروا العنف والجريمة القضية الأهم، لكن الاحتياجات تختلف حتى داخل هذا الملف؛ فصاحب العمل الذي يدفع إتاوات، والأسرة التي تخشى انجرار أحد أبنائها إلى الجريمة، ينتظران استجابات تنطلق من تجربتيهما.

وأكدت أن ترسيخ المشاركة يتطلب أن يرى الناخب من يمثّل حياته واحتياجاته، وأن الحرية السياسية تشمل قدرته على مخالفة محيطه دون أن يفقد احترامه بوصفه إنسانًا قادرًا على التفكير والاختيار.

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]