د. حسام أبو بكر
إن تصريحات رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو بشأن ضرورة الاستعداد لبناء "اقتصاد بديل يتجاوز القيود"، يعتمد، من بين أمور أخرى، على العملات الرقمية وتقنية سلسلة الكتل (Blockchain)، يجب أن تدق ناقوس الخطر. ليس لأن تكنولوجيا العملات الرقمية سلبية بحد ذاتها، بل لأنها تُطرح كوسيلة محتملة للتعامل مع العقوبات والعزلة المالية الدولية. فالسؤال الحقيقي ليس كيف يمكن الالتفاف على المنظومة الاقتصادية العالمية، بل كيف نمنع أصلًا تدهور مكانة إسرائيل إلى وضع تصبح فيه مضطرة للبحث عن طرق للالتفاف عليها.
يوفّر اقتصاد العملات الرقمية فرصًا للابتكار، وتطوير أنظمة الدفع، وتحسين كفاءة الخدمات المالية، لكنه لا يستطيع أن يحل محل ثقة المستثمرين الدوليين، أو العلاقات التجارية، أو النظام المصرفي العالمي، أو إمكانية الوصول إلى أسواق رأس المال. فقد تتيح العملات الرقمية تحويل الأموال، لكنها لا تستطيع إجبار الشركات الأجنبية على الاستثمار في إسرائيل، أو البنوك على توفير الائتمان، أو الدول على مواصلة العلاقات التجارية معها. فالاقتصاد الحديث لا يقوم على تحويل الأموال فحسب، بل على منظومة متكاملة من الثقة والاستقرار والتعاون الدولي.
قد يكون الثمن الاقتصادي للعزلة الدولية باهظًا، ويتمثل في تراجع الاستثمارات، وانكماش الصادرات، وارتفاع تكاليف الاستيراد، وتباطؤ النمو الاقتصادي، وتراجع فرص العمل. لكن هذا الثمن لن يتوزع بالتساوي بين جميع المواطنين. فكلما كانت المناعة الاقتصادية لمجموعة سكانية أضعف، كانت قدرتها على مواجهة الهزات الاقتصادية أكثر محدودية. ومن هنا، فإن المجتمع العربي، الذي يعاني أصلًا من فجوات بنيوية، ونسب فقر مرتفعة، ومحدودية الوصول إلى رأس المال، وعوائق الاندماج في سوق العمل، قد يكون من أكثر الفئات تضررًا.
فرص العمل والفجوات الاقتصادية تحت تهديد العزلة
أولًا، إن تراجع فرص العمل قد يعرقل أحد أهم محركات النمو في الاقتصاد الإسرائيلي، وهو اندماج المجتمع العربي في النشاط الاقتصادي. فقد شهدت السنوات الأخيرة تقدمًا ملحوظًا في معدلات تشغيل النساء العربيات، وفي اندماج الأكاديميين والشباب العرب في قطاعات اقتصادية مختلفة. غير أن هذا التقدم لا يزال هشًّا. فتراجع الاستثمارات، وتقليص نشاط الشركات، وتجميد توظيف موظفين جدد، قد يضر بصورة خاصة بأولئك الذين يقفون في بداية مسيرتهم المهنية. وقد يجد عشرات الآلاف من الشباب والأكاديميين العرب، الذين يسعون إلى الاندماج في وظائف نوعية، أنفسهم أمام سوق عمل أكثر انكماشًا وأقل قدرة على استيعابهم. وهذه ليست خسارة للمجتمع العربي وحده، بل هدر لإمكانات نمو الاقتصاد الإسرائيلي بأسره.
ثانيًا، قد تؤدي العزلة الاقتصادية إلى تعميق الإقصاء المالي وتوسيع الفجوات الاقتصادية بين المجتمعين العربي واليهودي. فالمصالح التجارية الصغيرة والمتوسطة في المجتمع العربي تواجه أصلًا صعوبات في الحصول على الائتمان ومصادر التمويل ورؤوس الأموال اللازمة للاستثمار والتوسع. ومن شأن ارتفاع تكلفة الائتمان، أو تراجع الاستقرار المالي، أو الانتقال إلى أنظمة دفع جديدة دون ضمان سهولة الوصول إليها وتوفير التنظيم والرقابة الملائمين، أن يزيد هذه الصعوبات تعقيدًا. وبينما قد يتمكن أصحاب رؤوس الأموال والمعرفة المالية من استغلال الفرص الجديدة، فإن المصالح التجارية والعائلات محدودة الموارد قد تجد نفسها متروكة خلف الركب. وبدلًا من أن يتحول الابتكار المالي إلى رافعة لتقليص الفجوات، فقد يصبح آلية إضافية لتوسيعها.
ثالثًا، وربما الأخطر من ذلك كله، هو احتمال أن يدفع المجتمع العربي ثمن العزلة الاقتصادية من خلال تقليص الاستثمارات والميزانيات الحكومية المخصصة لتطويره. فعندما يتباطأ الاقتصاد، تتراجع إيرادات الدولة من الضرائب، وتتزايد الضغوط على الموازنة العامة. وفي واقع تخضع فيه خطط التنمية الاقتصادية للمجتمع العربي أصلًا لصراعات وتجاذبات حول الميزانيات، يبرز التخوف من أن تكون هذه الخطط من أولى ضحايا التقليصات. إن خفض الميزانيات المخصصة للتعليم، والتأهيل المهني، والتشغيل، والبنى التحتية، والتنمية الاقتصادية، قد يبدد إنجازات تحققت على مدار سنوات، ويعمّق الفجوات البنيوية القائمة. وهكذا قد تنشأ حلقة مزدوجة من الضرر: فرص أقل في سوق العمل، واستثمارات حكومية أقل تهدف أساسًا إلى توفير هذه الفرص.
من المهم أن ندرك أن اندماج المجتمع العربي في الاقتصاد ليس مصلحة فئوية أو قطاعية فحسب، بل هو مصلحة وطنية واقتصادية من الدرجة الأولى. فرفع معدلات التشغيل، وزيادة الإنتاجية، وتوسيع النشاط التجاري في المجتمع العربي، كلها عوامل تسهم في النمو الاقتصادي، وتعزيز إيرادات الدولة، وتقوية مناعة الاقتصاد الإسرائيلي. وعليه، فإن المساس بهذه المسارات لا يعني تعميق انعدام المساواة فحسب، بل يعني أيضًا التفريط بأحد أهم مصادر النمو الاقتصادي المتاحة لإسرائيل.
اذا انزلقت إسرائيل نحو العزلة الاقتصادية، فلن يتوقف الثمن عند البورصة أو البنوك أو قطاع الهايتك
تحتاج إسرائيل إلى الابتكار التكنولوجي وتطوير أدوات مالية متقدمة، لكنها تحتاج بالقدر نفسه، وربما أكثر، إلى اقتصاد منفتح، واستقرار سياسي، وعلاقات قائمة على الثقة مع العالم. ويمكن للعملات الرقمية أن تكون جزءًا من اقتصاد المستقبل، لكنها لا يمكن أن تشكّل بديلًا عن سياسة تحول دون العزلة الاقتصادية.
إن السؤال الذي يتوجب على الحكومة الإجابة عنه ليس كيف يمكن الالتفاف على العالم، بل كيف نضمن أن تبقى إسرائيل جزءًا منه. فإذا انزلقت إسرائيل نحو العزلة الاقتصادية، فلن يتوقف الثمن عند البورصة أو البنوك أو قطاع الهايتك، بل سيصل إلى أماكن العمل، والمصالح التجارية الصغيرة، وموائد العائلات.
أما في المجتمع العربي، حيث لا يزال النضال من أجل تكافؤ الفرص الاقتصادية بعيدًا عن تحقيق أهدافه، فقد يكون الثمن مضاعفًا: ليس فقط تراجع مستوى المعيشة اليوم، بل أيضًا تقويض فرص تقليص الفجوات الاقتصادية والاجتماعية في المستقبل.
[email protected]
أضف تعليق