تباينت مواقف الفصائل والقوى السياسية الفلسطينية إزاء قرار تأجيل الانتخابات التشريعية، بين الترحيب المشروط والدعوة إلى حوار وطني شامل، والرفض القاطع للقرار باعتباره مساسًا بالإرادة الشعبية وتهديدًا لتجديد شرعية المؤسسات الفلسطينية.
وفي حين رحبت حركة فتح بالقرار، مؤكدة أن التأجيل لم يكن مطلبها، اعتبرته حركة حماس خطوة في الاتجاه الصحيح، وربطت الجبهة الشعبية موقفها بضرورة إطلاق حوار وطني ينهي الانقسام ويعيد ترتيب البيت الفلسطيني. أما حركة الجهاد الإسلامي، فكانت من أوائل الداعين إلى التأجيل، في حين لم يحسم حزب الشعب الفلسطيني موقفه رسميًا. وفي المقابل، عارض المؤتمر الشعبي الفلسطيني وتيار الإصلاح الديمقراطي في فتح القرار بشدة.
قرار التأجيل ومساعي التوافق في القاهرة
كان الرئيس الفلسطيني قد أصدر قرارًا بتأجيل الانتخابات التشريعية التي كانت مقررة سابقًا، وتحديد موعد جديد لها لاحقًا بالتزامن مع الانتخابات الرئاسية.
وجاء القرار عقب جولة من اللقاءات الثنائية عقدها وفد حركة فتح في القاهرة مع حركات حماس والجبهة الشعبية والجهاد الإسلامي، وانتهت إلى تفاهم مبدئي بشأن التأجيل لفترة زمنية محددة، بهدف إتاحة المجال أمام حوار وطني شامل برعاية مصرية.
واستند القرار إلى المعوقات التي تفرضها الإجراءات الإسرائيلية أمام إجراء الانتخابات في موعدها السابق، ولا سيما ما يتعلق بإجرائها في القدس. وفي المقابل، أشار تسجيل الناخبين إلى اهتمام واسع بالمشاركة في العملية الانتخابية، وهو ما اعتبره مراقبون مؤشرًا على رغبة الجمهور في تجديد الشرعية السياسية.
فتح: التأجيل لم يكن مطلبنا
أكدت حركة فتح ثبات موقفها من الانتخابات، مشددة على جاهزيتها لإجرائها باعتبارها استحقاقًا ديمقراطيًا وطنيًا.
وقالت الحركة إن التأجيل لم يكن مطلبًا لها، بل جاء في إطار التوافق الوطني وقرار اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، واستجابة لمبادرات طرحتها فصائل فلسطينية، في مقدمتها الجبهة الشعبية.
وأوضحت أن الحوار المرتقب يهدف إلى تعزيز وحدة الشعب الفلسطيني وأرضه ونظامه السياسي، في ظل التحديات التي تواجه القضية الفلسطينية.
حماس والجهاد الإسلامي: التأجيل خطوة في الاتجاه الصحيح
رحبت حركة حماس بقرار التأجيل، معتبرة أنه خطوة في الاتجاه الصحيح ينبغي أن تقود إلى حوار وطني شامل وجاد ومثمر.
وقالت الحركة إن الظروف والمعطيات السياسية والأمنية والميدانية اللازمة لإجراء انتخابات حرة ونزيهة في جميع الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس، لم تكن متوافرة. وأكدت تمسكها بإعادة بناء المؤسسات الوطنية وإصلاحها، وترتيب البيت الداخلي عبر مسار ديمقراطي.
كما أبدت حماس استعدادها للمشاركة في حوار يتناول آليات إعادة ترتيب البيت الفلسطيني، ولا سيما المجلسين الوطني والتشريعي.
من جهتها، كانت حركة الجهاد الإسلامي من أوائل الفصائل التي دعت إلى تأجيل الانتخابات، معتبرة أن صيغتها الحالية لا تلبي تطلعات الشعب الفلسطيني، ومطالبة بالتوصل إلى توافق وطني شامل يفضي إلى إصلاح منظمة التحرير الفلسطينية وإعادة بنائها.
وبعد التفاهمات التي شهدتها القاهرة، أكدت الحركة توصل الفصائل إلى تفاهمات بشأن استئناف الحوار الوطني الفلسطيني والاتفاق على تأجيل الانتخابات.
الجبهة الشعبية: لا بد من حوار ينهي الانقسام
رحبت الجبهة الشعبية بتأجيل الانتخابات، لكنها شددت على ضرورة أن يكون ذلك مدخلًا إلى حوار وطني شامل يعيد ترتيب البيت الفلسطيني وينهي الانقسام، وصولًا إلى بناء نظام سياسي موحد وشرعية وطنية قادرة على مواجهة التحديات.
وأكدت الجبهة أن القضية لا تقتصر على تحديد موعد الانتخابات أو تأجيلها، بل تتطلب معالجة أعمق للأزمات التي تعصف بالنظام السياسي الفلسطيني.
كما طالبت بتشكيل قيادة انتقالية تتولى إعادة ترتيب الأوراق الفلسطينية، بعيدًا عن سياسة القرارات الفردية.
في المقابل، لم يصدر عن حزب الشعب الفلسطيني موقف رسمي موحد بشأن قرار التأجيل حتى الآن. وكان الحزب قد أعلن في تصريحات سابقة أنه لم يحسم بعد مسألة المشاركة في الانتخابات التشريعية، مشيرًا إلى استمرار النقاش داخل هيئاته.
وشدد الحزب في مواقفه السابقة على أن قضية القدس غير قابلة للمساومة، وأنه لا يجوز استبعاد المدينة من العملية الانتخابية تحت أي ذريعة.
رفض حاد من المؤتمر الشعبي وتيار الإصلاح الديمقراطي
على الجانب الآخر، أصدر المؤتمر الشعبي الفلسطيني بيانًا رفض فيه قرار التأجيل بشدة، معتبرًا أنه يكرّس تغييب الإرادة الشعبية، ومبديًا مخاوفه من أن يكون التأجيل مقدمة لإلغاء الانتخابات، كما حدث في دورة سابقة.
وحذر المؤتمر من أن تعطيل الاستحقاق الانتخابي من شأنه تعميق أزمة شرعية النظام السياسي الفلسطيني وإضعاف ثقة الشارع بالقوى السياسية والمؤسسات القائمة.
واعتبر أن الاحتجاج بالحوار الوطني لتبرير التأجيل ليس كافيًا، مشيرًا إلى أن الحوار كان مطروحًا منذ فترة طويلة، وكان ينبغي أن يسبق إصدار مرسوم الانتخابات. كما دعا إلى إجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية بالتزامن مع انتخابات المجلس الوطني، وإنهاء محاولات تعيين ممثلي المؤسسات بدلًا من انتخابهم.
وامتد الرفض إلى داخل حركة فتح، إذ انتقد تيار الإصلاح الديمقراطي القرار، واصفًا المرسوم بأنه «كارثي» و«جريمة سياسية»، ومعتبرًا أنه يفاقم أزمة الشرعية في النظام السياسي الفلسطيني.
كما وجهت قيادات في حركة فتح انتقادات إلى آلية اتخاذ القرار، محذرة من تكرار تجربة تأجيل الانتخابات السابقة، التي وصفتها بأنها من أكبر الأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبتها الحركة، ومؤكدة أن صندوق الاقتراع هو الطريق لاختيار القيادة وتجديد الشرعية الوطنية.
هل يفتح التأجيل باب الحل أم يطيل أمد الأزمة؟
تكشف المواقف المتباينة عن خلاف يتجاوز مسألة موعد الانتخابات، ليطال مستقبل النظام السياسي الفلسطيني وآليات تجديد شرعيته، وطبيعة الحوار المطلوب لإنهاء الانقسام وإعادة بناء المؤسسات الوطنية.
وبين الفصائل التي ترى في التأجيل فرصة لإطلاق حوار شامل، والقوى التي تخشى أن يتحول إلى تعطيل مفتوح للاستحقاق الديمقراطي، تبقى نتائج الحوار الوطني المرتقب في القاهرة عاملًا أساسيًا في تحديد المسار المقبل، ومدى قدرة الفصائل على التوصل إلى توافق يضمن إجراء الانتخابات وتجديد الشرعية الفلسطينية.
[email protected]
أضف تعليق