روان بدير - مديرة قسم المواقف في بلدية كفر قاسم

المرأة العربيّة في قلب المواجهة
 لماذا يُعدّ الحضور النسوي ضرورةً سياسيّة ومجتمعيّة فارقة اليوم؟

تخوض مجتمعاتنا في هذه الأيام واحدةً من أكثر المحطات التاريخية حرجًا وتعقيدًا، إذ تتقاطع أزمة تفاقم آفة الجريمة وانتشار السلاح المنفلت مع تصاعد الملاحقات السياسية، ومساعي التهميش والشطب الحزبي، في مشهد يهدد التمثيل السياسي ويقوّض السلم الأهلي والأمن الشخصي في بلداتنا.

وفي ظل هذا المشهد المركّب، لم يعد التساؤل حول دور المرأة ومشاركتها في الحلبة السياسية والاجتماعية مجرد طرح نظري أو دعوة حقوقية تقليدية، بل تحوّل إلى ضرورة استراتيجية وعنصر أساسي في إعادة بناء المناعة المجتمعية وتعزيز القدرة على الصمود والتأثير السياسي.

أولًا: الجريمة المنظمة والأمن المجتمعي – رؤية قيادية متكاملة

إن الجريمة وتداعياتها لا تستهدف الضحايا المباشرين فحسب، بل تطال نسيج الأسرة والمجتمع برمّته، وتضع المرأة، بصفتها أمًا وشريكة وفاعلة في الحيز العام، في خط المواجهة الأول مع تداعيات هذه الأزمة.

إن دخول المرأة إلى دوائر صنع القرار ومواقع القيادة السياسية والمحلية يقدّم منظورًا أكثر شمولًا في التعامل مع العنف والجريمة.

التوازن بين سيادة القانون والتأهيل المجتمعي:
بينما ينحصر الخطاب التقليدي غالبًا في مطالبة المؤسسات الرسمية بتحمّل مسؤولياتها، يمكن للحضور النسوي في مواقع القيادة أن يعزز رؤية متكاملة تضع الوقاية، والتأهيل النفسي والاجتماعي للشباب، وتطوير التعليم، إلى جانب إنفاذ القانون والمسؤولية الرسمية.

كسر حالة الشلل الجماهيري:
إن مشاركة النساء في الهيئات القيادية واللجان الشعبية تسهم في ترميم الثقة بالعمل الجماهيري والمؤسساتي، وتساعد في مواجهة حالة الخوف والإحباط التي تفرضها الجريمة وتفاقم الأزمات الاجتماعية والسياسية.

الحضور النسوي ليس تمثيلًا رمزيًا… بل قوة في مواجهة الأزمات

إن تمثيل النساء لا ينبغي أن يُختزل في مسألة عددية أو رمزية، بل يجب النظر إليه باعتباره جزءًا من القدرة الجماعية للمجتمع على اتخاذ القرار، وصياغة الأولويات، وبناء أدوات جديدة للعمل والتأثير.

ثانيًا: التضييق السياسي ومحاولات الشطب – الحضور النسوي كأداة صمود وتجديد

إن المحاولات المتكررة لشطب الأحزاب العربية وتقليص هامش العمل السياسي والتأثير البرلماني والجماهيري تستدعي توسيع قاعدة المشاركة وتجديد أدوات العمل السياسي والمجتمعي.

1. تعزيز الشرعية الجماهيرية:
يمثّل حضور النساء في مقدمة الأحزاب والمنابر السياسية رسالة واضحة بأن العمل السياسي ليس شأنًا نخبويًا أو حكرًا على فئة بعينها، بل هو مشروع مجتمعي شامل يعبّر عن مختلف مركبات المجتمع.

2. صياغة خطاب مرتبط بحياة الناس:
يسهم حضور النساء في مواقع القيادة في تعزيز الربط بين العمل السياسي والقضايا اليومية الملحّة، من الأمن والأمان إلى التعليم والتشغيل والرفاه الاقتصادي، بما يوسّع دائرة المشاركة ويقوّي العلاقة بين الجمهور ومؤسساته وأطره السياسية.

ثالثًا: الحوكمة والإدارة في أوقات الأزمات

إن توسيع مشاركة النساء في إدارة الشأن العام يضيف إلى عملية صنع القرار خبرات ووجهات نظر متنوعة، ويساعد على تطوير آليات أكثر قربًا من الاحتياجات اليومية للجمهور، وعلى بناء شبكات أمان مجتمعية أكثر مرونة واستجابة في حالات الأزمات والطوارئ.

فالمرأة ليست مجرد متأثرة بالسياسات العامة، بل هي شريكة في صياغتها، وفي بناء الاستراتيجيات، وفي تحويل الاحتياجات والتحديات اليومية إلى قضايا حاضرة على طاولة صنع القرار.

ختامًا: لا نهوض بمجتمع يعمل بنصف طاقته

إن مواجهة التحديات المصيرية التي تعصف بمجتمعنا اليوم، من استشراء الجريمة إلى التضييق السياسي ومحاولات الإقصاء والشطب، لا يمكن أن تتحقق في مجتمع لا يستثمر كامل طاقاته البشرية.

إن تعزيز وجود المرأة في الحلبة السياسية والاجتماعية ليس استجابةً لمتطلبات مرحلية، بل هو ركيزة أساسية لتطوير العمل السياسي والمجتمعي، وتجديد أدوات التأثير، وتعزيز صمود المجتمع، وحماية مستقبله.

فحين تكون النساء في مواقع القرار، لا يتّسع التمثيل فحسب، بل تتّسع معه الرؤية، وتزداد القدرة على التأثير وصناعة التغيير.

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]