حذرت المحامية والحقوقية ساري باشي، المديرة العامة للجنة العامة لمناهضة التعذيب في إسرائيل، من الدفع نحو تطبيق عقوبة الإعدام على خلفية قضية المعتقل الفلسطيني قدري سمارة، مؤكدة أن الإعدام "عمل همجي وانتقامي ولا يمكن التراجع عنه"، وأن الغضب أو الرغبة في الانتقام لا يمكن أن يشكلا أساسا لفرض عقوبة من هذا النوع.

ويأتي موقف اللجنة في أعقاب مطالبة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير بالحكم بالإعدام على سمارة، الذي اعتقلته القوات الإسرائيلية بشبهة تنفيذ عملية إطلاق النار قرب نبع في منطقة بنيامين، قُتل فيها المستوطن نتنئيل شكرون. وتتهم السلطات الإسرائيلية سمارة، البالغ 37 عاما والمنحدر من بلدة بدّو شمال غربي القدس، بتنفيذ العملية والانتماء إلى حركة حماس، فيما لا يزال رهن الاعتقال ولم تبدأ محاكمته ولم يصدر بحقه أي حكم قضائي.

"عقوبة قاسية وغير إنسانية ولا رجعة عنها"

وقالت اللجنة إن معارضتها لا تتعلق فقط بقضية سمارة، بل بمبدأ عقوبة الإعدام نفسها، ووصفتها بأنها عقوبة "قاسية وغير إنسانية ولا يمكن التراجع عنها"، مشددة على أن خطورتها تصبح أكبر عندما تكون جزءا من منظومة ترى اللجنة أنها تقوم على تمييز في طريقة تطبيق القانون.

وبحسب موقف اللجنة، فإن الإعدام يغلق بصورة نهائية أي إمكانية لتصحيح الخطأ القضائي إذا اتضح لاحقا أن الإدانة استندت إلى أدلة غير صحيحة أو إجراءات معيبة، وهو ما يجعل العقوبة مختلفة جذريا عن أي عقوبة أخرى يمكن مراجعتها أو تعديلها.

وأضافت أن "لا أحد يجب أن يتعرض للتعذيب، ولا ينبغي إعدام أي إنسان"، معتبرة أن النقاش الحالي يجب ألا يقتصر على الرغبة في تشديد العقوبة، بل أن يشمل أيضا طبيعة التحقيقات والإجراءات التي تسبق المحاكمة ومدى ضمان حقوق المعتقلين.

تحذير من الاعترافات المنتزعة تحت التعذيب

وربطت اللجنة بين معارضتها للإعدام وعملها المستمر في متابعة أوضاع المعتقلين الفلسطينيين، وقالت إن فلسطينيين معتقلين يبلغون عن تعرضهم لأساليب تعذيب ومعاملة قاسية، وإنها تثير منذ سنوات تساؤلات حول ظروف التحقيق والقدرة على الحصول على محاكمة عادلة.

وحذرت من الخطر الذي ينشأ عندما تكون عقوبة لا رجعة عنها، مثل الإعدام، مرتبطة بإجراءات قد تشمل اعترافات تقول منظمات حقوقية إنها انتزعت في بعض الحالات تحت الضغط أو التعذيب.

وترى اللجنة أن الجمع بين ادعاءات التعذيب وغياب ضمانات كافية للمحاكمة العادلة من جهة، وبين عقوبة نهائية لا يمكن تصحيح نتائجها من جهة أخرى، يثير إشكالية حقوقية وقانونية خطيرة.

ويأتي موقفها في الوقت الذي باتت فيه قضية سمارة أول ملف يطرح فيه سياسيا وبصورة مباشرة احتمال استخدام ترتيبات الإعدام الجديدة، بعد مطالبة بن غفير بتطبيق العقوبة والإعلان أن هذه القضية يجب أن تكون اختبارا فعليا للقانون.

من معارضة الإعدام دوليا إلى محاولة تطبيقه

ولفتت اللجنة إلى ما وصفته بالتناقض بين التوجه الحالي وبين الموقف الذي تبنته إسرائيل لسنوات على الساحة الدولية. ففي ديسمبر 2024، صوتت إسرائيل إلى جانب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الداعي إلى وقف استخدام عقوبة الإعدام، كما سبق أن دعمت قرارات مماثلة في عامي 2020 و2022.

واعتبرت اللجنة أن إسرائيل لعبت حتى وقت قريب دورا في الجهود الدولية الرامية إلى تقليص استخدام العقوبة، بينما يجري اليوم التحرك في الاتجاه المعاكس من خلال الدفع نحو استخدامها ضد فلسطينيين.

ولم تنفذ إسرائيل حكما بالإعدام منذ عام 1962، وهي القضية التي أعدم فيها أدولف آيخمان. ورغم أن القانون الإسرائيلي أبقى عقوبة الإعدام في نطاق محدود جدا من الجرائم، فإن استخدامها بقي خارج الممارسة الفعلية طوال أكثر من ستة عقود.

لبنان يلغي العقوبة وإسرائيل تسير في الاتجاه المعاكس

وأشارت اللجنة كذلك إلى الاتجاه الدولي المتزايد نحو إلغاء عقوبة الإعدام، معتبرة أن معارضتها تحولت خلال العقود الأخيرة إلى معيار مركزي في مجال حقوق الإنسان.

واستشهدت بالتطور الأخير في لبنان، الذي أقر في أغسطس الماضي قانونا يلغي عقوبة الإعدام من القوانين اللبنانية ويستبدل الأحكام السابقة بعقوبات سالبة للحرية، ليصبح بذلك من أحدث الدول التي انتقلت إلى الإلغاء القانوني للعقوبة.

وقالت اللجنة إن على إسرائيل ألا تنضم إلى المجموعة المحدودة من الدول التي ما تزال تنفذ أحكام الإعدام، خصوصا بعد سنوات من الامتناع عنها ودعم الدعوات الدولية للحد منها.

قضية سمارة بين القضاء والضغط السياسي

وتأتي هذه الانتقادات في وقت يتصاعد فيه الضغط السياسي من بن غفير وشخصيات في اليمين لتقديم قضية سمارة كاختبار لقانون الإعدام. وكان المحامي والحقوقي محمد دحلة قد قال لـ"بكرا" إن الحديث عن تنفيذ العقوبة بصورة قريبة لا ينسجم مع المسار القضائي، مشيرا إلى وجود التماسات أمام المحكمة العليا وإلى أن إجراءات التحقيق والمحاكمة والاستئناف قد تمتد فترة طويلة.

أما اللجنة العامة لمناهضة التعذيب فتركز في موقفها على سؤال أوسع من الجدول الزمني لتطبيق القانون، وهو ما إذا كان ينبغي السماح للدولة بتنفيذ عقوبة لا يمكن التراجع عنها أساسا.

وتلخص باشي موقف اللجنة بالتأكيد أن التعامل مع قضايا تثير غضبا عاما لا يمكن أن يقوم على الانتقام، وأن اختبار منظومة العدالة الحقيقي يكون في قدرتها على الحفاظ على حقوق الإنسان وضمانات المحاكمة العادلة حتى في أكثر القضايا حساسية.

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]