قال المحامي والحقوقي محمد دحلة، في حديث خاص لموقع "بكرا"، إن الحديث المتصاعد في إسرائيل عن قرب تنفيذ عقوبة الإعدام بحق المعتقل الفلسطيني قدري سمارة لا ينسجم مع الواقع القانوني والإجراءات القضائية التي تنتظر القضية، مؤكدا أن تنفيذ أي حكم من هذا النوع قبل الانتخابات الإسرائيلية أمر غير واقعي.

وتحولت قضية سمارة، من بلدة بدّو شمال غربي القدس، خلال الأيام الأخيرة إلى محور نقاش سياسي وقانوني واسع في إسرائيل، بعد اعتقاله بشبهة تنفيذ عملية إطلاق النار قرب نبع في منطقة بنيامين، والتي أسفرت عن مقتل المستوطن نتنئيل شكرون.

واعتقلت القوات الإسرائيلية سمارة، البالغ من العمر 37 عاما، داخل عيادة طبية في رام الله، فيما تتهمه السلطات الإسرائيلية بتنفيذ العملية والانتماء إلى حركة حماس. وحتى الآن، لا يزال سمارة رهن الاعتقال، ولم تقدم بحقه لائحة اتهام، كما لم تبدأ محاكمته.

دحلة: القضية ما تزال في بدايتها

وأوضح دحلة أن النقاش السياسي الدائر حول الإعدام يسبق بمراحل طويلة المسار القضائي الفعلي، مشيرا إلى أن القضية ما تزال في مرحلة الاعتقال والتحقيق، وأن الطريق إلى صدور أي حكم يمر أولا بتقديم لائحة اتهام، ثم سماع الأدلة والشهود ومناقشة البينات والقرائن، وصولا إلى قرار المحكمة بشأن الإدانة.

وقال إن هذه الإجراءات قد تستغرق سنة على الأقل، وفي بعض الملفات الجنائية قد تمتد إلى عدة سنوات، وفقا لطبيعة الأدلة وسرعة عمل النيابة وجهات التحقيق، إضافة إلى الطريقة التي يدير بها طاقم الدفاع القضية.

وأضاف أن الدفاع يملك مجموعة واسعة من الأدوات القانونية، من بينها مناقشة الشهود والتقارير والأدلة وتقديم طلبات مختلفة، وهو ما يجعل من الصعب اختصار المحاكمة بصورة تتلاءم مع الجدول السياسي أو الانتخابي.

وشدد دحلة على أن السياسيين لا يستطيعون فرض وتيرة المحاكمة، حتى لو كانوا وزراء أو رئيس حكومة، قائلا إن الإجراءات ليست بأيديهم، وإن طاقم الدفاع نفسه يستطيع أن يجعل القضية تمتد لأشهر طويلة.

التماسات أمام المحكمة العليا

وأشار دحلة إلى وجود التماسات عالقة أمام المحكمة العليا الإسرائيلية ضد قانون الإعدام الذي أقره الكنيست، إضافة إلى التماسات ضد الأمر العسكري الذي أصدره قائد المنطقة الوسطى والمتعلق بتطبيق ترتيبات مشابهة في الضفة الغربية.

وأوضح أن المحكمة العليا لم تبحث الالتماسات حتى الآن، كما لم تصدر أمرا مؤقتا يمنع تنفيذ القانون، لكنه اعتبر أن غياب مثل هذا الأمر في المرحلة الحالية لا يعني بالضرورة أن المحكمة حسمت موقفها لصالح التشريع.

وبحسب دحلة، لم تكن هناك حتى الآن حالة عينية وصلت إلى مرحلة يصبح فيها تنفيذ عقوبة الإعدام مسألة فورية، وهو ما قد يفسر عدم تدخل المحكمة بأمر مؤقت.

وأضاف أنه إذا وصلت أي قضية مستقبلا إلى مرحلة تنفيذ العقوبة قبل صدور قرار نهائي بشأن الالتماسات، فإنه يرجح أن تصدر المحكمة أمرا مؤقتا يمنع التنفيذ إلى حين حسم الطعون.

وقال دحلة إن أحد المحاور الأساسية في الالتماسات يتعلق بادعاء وجود تمييز في طريقة تطبيق التشريع بين اليهود وغير اليهود، معتبرا أن هذه المسألة تمنح الطعون أساسا قانونيا مهما، وقد تؤدي إلى تدخل المحكمة في القانون أو حتى إلغائه بصيغته الحالية.

"لن يكون هناك إعدام قبل الانتخابات"

وردا على سؤال حول إمكانية تسريع الإجراءات بهدف تنفيذ حكم إعدام قبل الانتخابات وتحقيق مكسب سياسي، كان دحلة حاسما بقوله: "لن يكون هناك إعدام قبل الانتخابات".

وأوضح أن المستوى السياسي لا يملك القدرة على تجاوز المراحل القانونية المطلوبة، لا في المحاكم العسكرية ولا أمام المحكمة العليا، مؤكدا أن صدور حكم نهائي وتنفيذه يحتاج إلى سلسلة طويلة من الإجراءات.

وأضاف أن صورة تنفيذ الإعدام التي قد يسعى بعض السياسيين إلى استخدامها انتخابيا لن تكون متاحة لهم خلال الفترة القريبة، لأن الملف لم يصل حتى إلى مرحلة تقديم لائحة اتهام.

قضية قانونية أم حملة انتخابية؟

وكان وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير قد سارع عقب اعتقال سمارة إلى المطالبة بتطبيق عقوبة الإعدام بحقه، معتبرا أن القضية تمثل أول فرصة عملية لتطبيق القانون الذي دفع باتجاه إقراره.

لكن دحلة وصف الحملة السياسية الحالية بأنها "حملة شعبوية سياسية"، معتبرا أنها ترتبط بشكل مباشر بأجواء الانتخابات ومحاولة تحقيق مكاسب لدى جمهور اليمين.

وقال إن المكسب السياسي لا يتوقف بالضرورة على تنفيذ العقوبة فعليا، إذ يستطيع بن غفير وشركاؤه الاستفادة من القضية حتى في حال لم تصل إلى الإعدام.

وأوضح أن اليمين يستطيع تذكير الناخب الإسرائيلي بأنه هو من دفع نحو إقرار القانون، وفي الوقت نفسه مواصلة المطالبة بتطبيقه، ثم تحميل النيابة والمحكمة العليا والجهاز القضائي مسؤولية أي تأخير أو منع للتنفيذ.

الهجوم على المحكمة العليا جزء من المعركة

ويرى دحلة أن القضية تتقاطع أيضا مع المواجهة السياسية المستمرة بين قطاعات من اليمين الإسرائيلي والجهاز القضائي، وخصوصا المحكمة العليا.

وأشار إلى أن المحكمة العليا تحولت في خطاب اليمين إلى خصم سياسي، ولذلك فإن أي تدخل قضائي يمنع تنفيذ العقوبة أو يؤجلها قد يتحول بدوره إلى مادة انتخابية.

وقال إن هذا الوضع يمنح بن غفير واليمين عدة مكاسب سياسية في الوقت نفسه، تبدأ بتصدر وسائل الإعلام عبر المطالبة بالإعدام، مرورا بالتذكير بأنهم من أقروا القانون، وصولا إلى مهاجمة المحكمة والنيابة إذا لم تنفذ العقوبة.

وبذلك، يرى دحلة أن قضية قدري سمارة تجاوزت حدود الملف الجنائي، وتحولت إلى اختبار لقانون الإعدام من جهة، وإلى أداة في الصراع السياسي الداخلي الإسرائيلي من جهة أخرى.

وبينما يواصل بن غفير الدفع باتجاه تقديم القضية باعتبارها فرصة لتطبيق القانون للمرة الأولى، يؤكد دحلة أن المسار القانوني ما يزال في بدايته، وأن الحديث عن إعدام قريب يسبق الواقع القضائي بمراحل طويلة.

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]