توصل فريق من الباحثين في مجال الطب، بينهم البروفيسور زيد عباسي من كلية الطب في التخنيون ومستشفى رمبام، إلى تفسير جديد للغز وفاة ملكة السويد كريستينا، التي توفيت عام 1689 عن عمر 62 عاما.
وتشير نتائج البحث إلى أن الملكة كانت تعاني، على الأرجح، من مرض السكري من دون تشخيص. وأدى المرض إلى إصابتها بجرح مزمن والتهاب بكتيري في ساقها، قبل أن ينتشر الالتهاب في جسدها ويتسبب بتسمم دم قاتل.
وشارك في البحث إلى جانب عباسي كل من البروفيسور رولف بارث من قسم علم الأمراض في جامعة أوهايو، والبروفيسور ماكسيميليان بوجا من قسم علم الأمراض والطب المخبري في جامعة تكساس.
تقرير تشريح عمره قرون
بدأ البحث بعد لقاء جمع عباسي وبارث خلال سنة تفرغ أكاديمي قضاها عباسي في جامعة أوهايو. وتحولت محادثة عابرة بينهما حول الوفاة الغامضة للملكة إلى بحث طبي وتاريخي شمل مراجعة سجلات ووثائق قديمة.
وعثر الباحثون على تقرير تشريح لجثمان الملكة كان قد اختفى لقرون، قبل اكتشافه في أرشيف خاص في فيينا. وجمع الفريق بين المعلومات الواردة في التقرير وبين الأعراض التي وثقتها السجلات التاريخية خلال السنوات الأخيرة من حياة كريستينا.
وأظهر التقرير وجود جرح مزمن في ساقها اليمنى، إلى جانب التهاب جلدي متكرر شُخّص في حينه بأنه «الحمرة». ويعرف الطب الحديث أن هذا الالتهاب البكتيري قد ينتشر في الجسم، ويتسبب بتسمم الدم والوفاة في حال عدم علاجه.
وأجري تشريح الجثمان في روما بعد ثلاثة أيام من وفاة الملكة. وأدى التأخير إلى تحلل جزء من الأنسجة والأعضاء، ما صعّب الوصول إلى تشخيص واضح في ذلك الوقت.
أعراض تشير إلى السكري
لم يعتمد الباحثون على تقرير التشريح وحده، بل راجعوا أوصافا تاريخية لحالة الملكة الصحية. وأظهرت الوثائق أنها عانت من العطش الشديد وكثرة التبول وفقدان الوزن، إضافة إلى جروح مزمنة لم تلتئم.
وقال البروفيسور عباسي إن جمع هذه الأعراض مع نتائج التشريح قاد الفريق إلى الاعتقاد بأن الملكة عانت من السكري من دون تشخيص، وإن المرض ساهم في تطور الالتهاب البكتيري في ساقها.
ولم يكن الأطباء في القرن السابع عشر يمتلكون الأدوات اللازمة لتشخيص السكري كما يحدث اليوم. وكانت المعرفة الطبية آنذاك تقتصر على ملاحظة كثرة التبول ووجود طعم حلو في البول لدى بعض المرضى.
ويرجح الباحثون أن الجرح المزمن وفر مدخلا للعدوى البكتيرية، التي انتشرت لاحقا في جسد الملكة وأدت إلى تسمم الدم ووفاتها.
ملكة تخلت عن العرش
وُلدت كريستينا عام 1626، وورثت عرش السويد في سن السادسة بعد مقتل والدها، الملك غوستاف الثاني أدولف، في حرب الثلاثين عاما. وتسلمت الحكم فعليا عندما بلغت 18 عاما.
وعُرفت الملكة بثقافتها الواسعة وإتقانها عدة لغات، بينها العربية والعبرية، كما ارتبطت بعلاقات مع مفكرين بارزين، بينهم الفيلسوف الفرنسي رينيه ديكارت.
وفي عام 1654، تخلت كريستينا عن العرش وغادرت السويد متنكرة بملابس رجل، ثم اعتنقت الكاثوليكية وانتقلت إلى روما. وانخرطت هناك في الحياة الثقافية، وحظيت برعاية عدد من الباباوات، كما عُرفت بمواقفها المدافعة عن يهود المدينة.
وبعد وفاتها، دُفنت في كاتدرائية القديس بطرس في الفاتيكان، لتصبح واحدة من عدد محدود من النساء اللواتي دُفنّ فيها.
فحص الرفات يحسم لغزا آخر
لم يكن البحث الجديد المحاولة الأولى لدراسة الحالة الصحية للملكة. ففي عام 1965، أخرجت رفاتها من القبر وخضعت لفحوص طبية وأنثروبولوجية.
وكشفت الفحوص إصابتها بانحناء في العمود الفقري، لكنها لم تتمكن من تحديد الأمراض التي عانت منها أو السبب المباشر لوفاتها. كما حسم فحص هيكلها العظمي الجدل التاريخي بشأن جنسها، إذ أكد تركيب الحوض والكتفين أن الرفات تعود إلى امرأة.
ويرى الباحثون أن الدراسة الجديدة تظهر قدرة الطب الحديث على إعادة قراءة الوثائق القديمة وحل ألغاز تاريخية، لكنها لا تقدم تشخيصا قطعيا.
وأكدوا أن تشخيص حالة شخص توفي قبل قرون يتطلب الحذر، لأن المعلومات الطبية المتاحة جزئية ولا يمكن إجراء فحوص سريرية أو مخبرية مباشرة.
ونُشرت نتائج البحث في قسم التاريخ الطبي من مجلة «Lakartidningen» السويدية.
[email protected]
أضف تعليق