قالت الصحافية الإسرائيلية عنات سرغوستي لـ«بكرا» إن الجدل الدائر حول فيلم «Naza» أو «Collateral Damage»، ومعناه «ضرر جانبي»، يكشف غياب النقاش الإعلامي الإسرائيلي الجدي بشأن ما جرى في قطاع غزة خلال السنوات الثلاث الماضية.

وأوضحت سرغوستي أنها لم تشاهد الفيلم حتى الآن، لكنها انتقدت الهجوم عليه وعلى صنّاعه قبل عرضه أمام الجمهور الإسرائيلي، كما شككت في قدرة الجيش على نفي مضامينه بصورة شاملة من دون فحص الشهادات والأحداث الواردة فيه.

ويستند الفيلم، الذي أعده يوفال أبراهام وراحيل شور، إلى شهادات جنود وضباط إسرائيليين شاركوا في الحرب على غزة، ويتناول آليات العمل التي تقف خلف قتل المدنيين الفلسطينيين في القطاع.

الشهادات المجهولة لا تفقد قيمتها

وتطرقت سرغوستي إلى الانتقادات الموجهة للفيلم بسبب عدم كشف هويات الجنود الذين يدلون بشهاداتهم، معتبرة أن إخفاء هوية المصادر لا يلغي القيمة الصحافية لما يقولونه.

وقالت لـ«بكرا»: «بعض أهم التحقيقات الصحافية وأكثرها تأثيرا أُنجزت اعتمادا على مصادر مجهولة. مصدر فضيحة ووترغيت بقي مجهولا لعشرات السنين، وكان يُعرف باسم الحنجرة العميقة. هل قلل ذلك من قيمة التحقيق؟».

وأضافت أن قضية المغني إيال غولان بدأت أيضا بشهادات نساء لم يرغبن في كشف هوياتهن، متسائلة عما إذا كان ذلك قد انتقص من أهمية أقوالهن.

وأشارت إلى أن الصحافيين الإسرائيليين ينشرون يوميا معلومات منسوبة إلى «مصدر سياسي رفيع» أو «مصدر مطلع» أو «مقربين»، من دون الكشف عن أسمائهم.

وتابعت: «كيف ينسجم قبول هذه المصادر مع الادعاء بأن شهادات الجنود في الفيلم غير موثوقة لأن أصحابها لا يظهرون بوجوه مكشوفة؟».

ولفتت إلى أن جنود الجيش الإسرائيلي يظهرون في وسائل الإعلام أحيانا بوجوه مغطاة، بسبب الخشية من ملاحقتهم أمام المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، من دون أن يؤدي ذلك إلى تعامل الجمهور مع تصريحاتهم على أنها غير موثوقة.

نفي الجيش يثير علامات استفهام

وانتقدت سرغوستي رد الجيش الإسرائيلي الذي نفى الادعاءات الواردة في الفيلم، معتبرة أنه رد شامل صدر قبل إجراء فحص جدي لمضمونه.

وقالت: «هذا نفي كامل من دون فحص أي شيء. لم يشاهد المعلقون الفيلم، ومع ذلك أرسل الجيش ردا شاملا ينفي جميع الادعاءات التي يتضمنها. هل هذا تعامل جدي؟ وكيف يمكن أخذ رد من هذا النوع على محمل الجد؟».

وتساءلت عما إذا كان الجيش قد نشر تحقيقا جديا ومعمقا في الحالات التي قتلت فيها عائلات كاملة داخل غزة، وما إذا كانت هذه الحالات قد عُدّت أحداثا استثنائية وأدت إلى استخلاص العبر.

غياب التحقيقات الإسرائيلية عن غزة

وقالت سرغوستي إن القنوات الإسرائيلية لم تنتج، طوال ثلاث سنوات، تحقيقا معمقا واحدا بشأن ما جرى في قطاع غزة.

وأشارت إلى برامج التحقيق الرئيسية، بينها «عوفدا» و«همكور» و«زمان إيمت»، إضافة إلى نشرات الأخبار، قائلة إن أيا منها لم يأخذ حادثة واحدة قُتلت فيها عائلة داخل منزل، ويحاول إعادة بناء ما حدث عبر الشهادات وصور الأقمار الصناعية والأدوات الرقمية.

وأضافت أن صحيفة «هآرتس» كانت استثناء في المشهد الإعلامي، إذ واصلت نشر تقارير عن غزة وفحص الادعاءات المتعلقة بجرائم الحرب والإبادة الجماعية، واستعانت بخبراء وشهادات وأدلة رقمية.

كما أشارت إلى تحقيقات نشرها يوفال أبراهام في المواقع التي عمل فيها، لكنها لم تحظ، بحسب قولها، بمتابعة جدية من وسائل الإعلام الإسرائيلية الأخرى.

وقالت إن أي برنامج تلفزيوني لم يحقق في حادثة تفجير حرم جامعي في غزة، رغم إقرار الجيش بأن الجنود لم يطلبوا ولم يحصلوا على إذن لتنفيذ التفجير.

وأضافت أن وسائل الإعلام لم تجمع المقاطع التي نشرها جنود بأنفسهم عبر شبكات التواصل، وظهروا فيها وهم يهدمون المنازل والمتاجر أو يأخذون ملابس نسائية ويرتدونها للسخرية من الفلسطينيين، ولم تفحص ما حدث أو المسؤولية عنه.

انتقاد مشاركة صحافي في تفجير منزل

وتطرقت سرغوستي إلى واقعة مشاركة مقدم أخبار القناة 12 داني كوشمارو في الضغط على زر تفجير منزل في جنوب لبنان، متسائلة عما إذا كان قد فحص طبيعة المنزل قبل تفجيره.

وقالت: «الصحافي لا يُفترض أن يشارك بصورة فعلية في القتال. لكن المشهد عُرض وسط أجواء من الاحتفال، من دون طرح الأسئلة التي يجب أن يطرحها الصحافي».

واعتبرت أن غالبية الصحافة المرئية، وجزءا كبيرا من الصحافة المطبوعة والرقمية، لم تحاول التعامل مع الواقع الميداني في غزة أو البحث عن الأدلة والشهادات المستقلة.

وأضافت: «العمل الصحافي يعني طرح الأسئلة، والسعي إلى الحقيقة، والبحث عن الوقائع والأدلة والشهادات المستقلة ومحاولة رواية القصة. هذا لم يحدث، ولم تكن هناك أيضا تغطية مستمرة من غزة».

قتل الأطفال خارج التحقيق الإعلامي

وانتقدت سرغوستي عدم إجراء تحقيق إسرائيلي بشأن مقتل الأطفال في قطاع غزة، قائلة إن البرامج الاستقصائية لم تحاول فحص كيفية مقتل نحو 20 ألف طفل خلال الحرب، وفق الرقم الذي أوردته.

وتساءلت: «هل هناك من يشك في أن الأطفال يُعدّون، من حيث التعريف، من غير المشاركين في القتال؟ كم عدد المدنيين الذين قُتلوا مقارنة بعناصر حماس؟ هل الرقم مرتفع أم منخفض مقارنة بحروب أخرى؟ لم يجر فحص ذلك».

وأضافت أن إجراء تحقيق مهني كان يمكن أن يقود إلى نتائج مختلفة، وربما يظهر أن أداء إسرائيل أفضل مقارنة بحروب أخرى، لكن وسائل الإعلام لم تنفذ هذا الفحص أساسا.

الإعلام تبنى رواية الجيش

وقالت سرغوستي إن الصحافة المرئية أمضت السنوات الثلاث الماضية في تمجيد الجيش والجنود، وانتقدت الحملة التي تقودها القناة 12 دعما للجنود ولمن يساندونهم.

وتساءلت: «في أي عالم يصبح دور الصحافيين تنظيم حملة لدعم الجنود؟ وما القيمة الصحافية لمثل هذه الحملة؟».

وأضافت أن المهمة الأساسية للصحافي هي الشك في التصريحات الصادرة عن كل جهة صاحبة مصلحة، وعدم تبني بيانات المتحدثين الرسميين من دون فحص.

وتابعت: «لكن الجيش هنا مقدس والجنود مقدسون. وإذا وقعت حوادث، فإنها توصف دائما بأنها استثنائية، ويأتي الرد الآلي بأنها لا تنسجم مع روح الجيش وقيمه، أو أنه سيجري توضيح التعليمات».

مطالب بسحب الجنسية بدلا من النقاش

ورأت سرغوستي أن النقاش بشأن أفعال الجيش في غزة غاب عن إسرائيل طوال ثلاث سنوات، وعندما حاول فيلم «Naza» فتحه، ظهرت مطالب بسحب جنسية صانعيه واتهامات لهما بالإساءة إلى إسرائيل.

وقالت لـ«بكرا»: «عندما يحاول شخص إثارة النقاش، يطالبون بسحب جنسيته ويقولون إنه يشوه صورة إسرائيل. لكن الواقع هو الذي يسيء إلى صورة إسرائيل، وليس الصحافة ولا الفيلم ولا صنّاعه».

كما تساءلت عن سبب منع الصحافيين الأجانب من دخول قطاع غزة بصورة مستقلة، قائلة: «إذا كان كل شيء على ما يرام، وإسرائيل والجيش يتصرفان بصورة سليمة، فلماذا لا يسمحون للصحافيين الأجانب بدخول غزة؟ مم يخشون؟ وما الذي يريدون إخفاءه؟».

ودعت إحدى القنوات التلفزيونية الإسرائيلية إلى التحلي بالشجاعة وعرض الفيلم، ثم تنظيم نقاش عام بشأنه، بدلا من تبني الموقف الأكثر تشددا قبل مشاهدته.

إدانة هجوم حماس لا تلغي ضرورة مناقشة غزة

واختتمت سرغوستي تصريحاتها بالتأكيد أن حركة حماس ارتكبت في السابع من تشرين الأول مذبحة قُتل فيها نحو 1200 إسرائيلي، بينهم نساء ومسنون وأطفال، واختطفت 251 شخصا.

وقالت إن هذه الأفعال «لا تُغتفر وغير مقبولة ومروعة»، لكنها شددت في الوقت نفسه على أن إدانتها لا تلغي ضرورة مناقشة ما تفعله إسرائيل في قطاع غزة.

وأضافت: «رغم ذلك، يجب أن يدور هنا نقاش بشأن ما يحدث في غزة. هذا نقاش مهم، وقد حان الوقت لبدئه».

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]