أثار الفيلم الوثائقي الإسرائيلي «Naza» موجة من الهجمات السياسية والرسمية في إسرائيل، وصلت إلى مطالبة وزير الثقافة والرياضة ميكي زوهار بسحب جنسية مخرجيه، وتوجيه رئيس أركان الجيش إيال زامير بدراسة اتخاذ إجراءات قانونية بشأنه، بالتزامن مع تلقي صانعيه تهديدات مباشرة بالقتل.
ويحمل الفيلم اسمه من الاختصار العسكري العبري «נז״א»، المأخوذ من عبارة «נזק אגבי»، أي «ضرر جانبي». ويُكتب اسمه بالإنجليزية «Naza»، بينما يحمل المعنى الإنجليزي «Collateral Damage».
الفيلم من إعداد المخرجين الإسرائيليين يوفال أبراهام وراحيل شور، اللذين سبق أن فازا بجائزة الأوسكار عن فيلمهما الوثائقي «لا أرض أخرى» عام 2025. ويعتمد عملهما الجديد على شهادات 24 جنديا وضابطا إسرائيليا شاركوا في الحرب على غزة، ويتناول، بحسب ملخصه، آليات اتخاذ القرارات والعمليات التي أدت إلى قتل مدنيين فلسطينيين في القطاع.
زامير يهاجم الفيلم ويدعو إلى ملاحقته قانونيا
وهاجم رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، إيال زامير، الفيلم ووصف ما يعرضه بأنه «افتراءات دم وأكاذيب تحت غطاء الصحافة الاستقصائية».
وقال زامير: «سنواصل الدفاع عن دولة إسرائيل ومواطنيها، ولن نسمح لافتراءات الدم والأكاذيب المقنعة في صورة صحافة استقصائية بأن تمس حقنا في الدفاع عن أنفسنا».
وادعى أن الأحداث والاتهامات الواردة في الفيلم لم تُعرض على الجيش قبل نشرها، ولذلك يصعب، بحسب قوله، الرد عليها بصورة جدية ومهنية.
وأضاف أن الجيش يدرك أهمية النقد والشك، ويعمل على التحقيق في أدائه وتصحيح الأخطاء، مؤكدا استعداده لفحص أي انتقاد مهني. لكنه اعتبر أن «التشهير الكاذب والمتلاعب وغير المستند إلى أدلة لا يشكل نقدا مشروعا، حتى لو قوبل بتصفيق منافق».
وعقد زامير مشاورات خاصة بشأن الفيلم، وأوعز بتشكيل طاقم لبلورة طرق التعامل مع الادعاءات الموجهة إلى الجيش وجنوده. كما طلب فحص احتمال تسريب مواد سرية إلى صانعي الفيلم، ووجّه المدعي العسكري العام إلى دراسة اتخاذ إجراءات قانونية بشأنه.
وزير الثقافة يطالب بسحب جنسية المخرجين
بدوره، صعّد وزير الثقافة والرياضة الإسرائيلي، ميكي زوهار، الحملة ضد الفيلم، معلنا أنه سيعمل على سحب الجنسية الإسرائيلية من يوفال أبراهام وراحيل شور، بتهمة ما وصفه بـ«الخيانة».
وقال زوهار إن فوز الفيلم بجائزة لجنة التحكيم في الدورة الثالثة والثمانين لمهرجان البندقية السينمائي «أمر صادم»، متهما المخرجين بالإضرار بإسرائيل من أجل الحصول على تصفيق من معاديها في العالم.
ووصف الوزير العمل بأنه «فيلم حقير»، وقال إن استعداد صانعيه لعرض شهادات تنتقد سلوك الجيش في غزة يمثل، من وجهة نظره، «خيانة للدولة».
ولا يملك وزير الثقافة صلاحية مباشرة لسحب الجنسية، لكن تصريحاته أضافت بعدا رسميا إلى الحملة على المخرجين، ورفعت حدة الخطاب الموجه ضدهما.
تهديدات مباشرة للمخرجين
لم تقتصر ردود الفعل على التصريحات السياسية، إذ أفاد المنتدى الوثائقي في إسرائيل بتداول رسائل تتضمن تهديدات مباشرة لصانعي الفيلم منذ عرضه في مهرجان البندقية.
وأعلن المنتدى دعمه لأبراهام وشور، مؤكدا أن الخلاف مع مضمون أي عمل فني لا يبرر تهديد مخرجيه أو التحريض عليهم.
وقال المنتدى إنه لم يشاهد الفيلم بعد، لكنه شدد على حق المخرجين في توثيق الواقع وتقديم رؤيتهم للجمهور، حتى عندما تثير هذه الرؤية خلافا واسعا.
وأضاف أن السينما الوثائقية ليست مطالبة بتقديم رواية متفق عليها، بل يمكنها كشف الوقائع وطرح الأسئلة وإثارة النقاش العام. وأكد أن انتقاد الفيلم أو الاعتراض على تفسيره وسياقه حق مشروع، لكن تهديد صانعيه، ولا سيما بالقتل، يمثل اعتداء على حرية التعبير والإبداع.
ودعا المنتدى أجهزة إنفاذ القانون إلى التحرك لحماية المخرجين والتحقيق في التهديدات الموجهة إليهما.
كما أعلن اتحاد المخرجات والمخرجين في إسرائيل إدانته للتهديدات، وقال إنه سيواصل دعم أبراهام وشور والدفاع عن حرية التعبير والعمل الفني.
شهادات جنود عن الحرب على غزة
ويرتكز «Naza» على شهادات جنود وضباط إسرائيليين شاركوا في الحرب على غزة. ويتحدث المشاركون عن تجربتهم خلال العمليات العسكرية وعن الآليات التي سبقت قتل مدنيين فلسطينيين، وفق ما عرضه صانعو الفيلم.
واستند الفيلم أيضا إلى تحقيقات صحافية نشرتها خلال السنوات الأخيرة مجلة «سيحا مكوميت» الإسرائيلية، وموقع «+972»، وصحيفة «الغارديان» البريطانية.
وقال أبراهام إن أهمية الفيلم لا تقتصر على الجائزة التي حصل عليها، بل تكمن في شهادات الجنود والضباط الذين اختاروا الحديث باللغة العبرية بهدف الوصول إلى الجمهور الإسرائيلي.
وأضاف أن هؤلاء يريدون أن يسمع الإسرائيليون ما فعلوه وشاهدوه في غزة، مؤكدا ضرورة أن تواجه إسرائيل الأعمال التي نُفذت باسمها خلال الحرب.
ووجّه أبراهام رسالة إلى منتقدي الفيلم قائلا: «أطلب من كل من يهاجموننا وينكرون ما يعرضه الفيلم أن يشاهدوه أولا».
جائزة في البندقية وتصفيق استمر نحو 25 دقيقة
وكان قد حصل الفيلم على جائزة لجنة التحكيم في مهرجان البندقية السينمائي الدولي، بعد أن أثار اهتماما واسعا منذ عرضه الأول.
وشهد العرض، بحسب التقارير، تصفيقا استمر قرابة 25 دقيقة، في واحدة من أطول فترات التصفيق المسجلة خلال المهرجان.
لكن النجاح الدولي للفيلم قابله تصعيد داخل إسرائيل، بدأ باتهامات سياسية ضد صانعيه، ثم انتقل إلى مطالب بسحب جنسيتهما ودراسة خطوات قانونية وأمنية، وصولا إلى تهديدات مباشرة ضدهما.
وتكشف الحملة على «Naza» اتساع المواجهة داخل إسرائيل بشأن توثيق الحرب على غزة وحدود النقد الموجه إلى الجيش. وبينما ترى المؤسسة العسكرية وسياسيون أن الفيلم يروج رواية كاذبة تضر بإسرائيل، يعتبر صانعوه والهيئات السينمائية المدافعة عنهم أن العمل يطرح شهادات يجب أن يسمعها الجمهور، وأن الرد عليها يجب أن يكون بالنقاش والتحقيق، لا بالتهديد والملاحقة.
[email protected]
أضف تعليق