الحصار الاقتصادي والبحري يضيّق الخناق على النظام الإيراني وسط مخاوف من اندلاع احتجاجات جديدة، ما قد يدفع طهران إلى البحث عن «كبش فداء» وتصعيد محدود لتخفيف الضغط الداخلي

يتزايد الضغط على النظام الإيراني في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة والحصار البحري الأميركي، بالتزامن مع مخاوف متصاعدة في طهران من عودة الاحتجاجات الشعبية.

ويأتي ذلك قبل دخول حزمة العقوبات الأميركية الجديدة والواسعة حيز التنفيذ، في وقت أعلن فيه الرئيس الأميركي دونالد ترامب ووزير الخزانة سكوت بيسنت عن نية واشنطن فرض عقوبات ثانوية على دول تواصل تجارتها مع إيران، من دون الكشف حتى الآن عن جميع تفاصيل الإجراءات المرتقبة.

الحصار يضرب صادرات النفط

تواجه إيران، إلى جانب العقوبات المفروضة عليها منذ سنوات، ضغوطًا إضافية نتيجة القيود المفروضة على حركة صادراتها النفطية في منطقة الخليج ومضيق هرمز.

وتقول تقارير إن طهران تواجه صعوبة متزايدة في تصدير النفط، فيما أظهرت صور للأقمار الصناعية انخفاضًا في حركة التصدير من بعض مناطق النفط الإيرانية.

وفي الوقت نفسه، فقد الريال الإيراني أكثر من نصف قيمته خلال نحو عام، إذ ارتفع سعر الدولار إلى نحو مليوني ريال، مقارنة بنحو 1.3 مليون ريال في فبراير، ونحو 800 ألف ريال في السوق المفتوحة في يونيو 2025.

كما تشهد البلاد ارتفاعًا حادًا في أسعار المواد الغذائية والأدوية والسلع الأساسية، وسط توقعات بانكماش الاقتصاد بأكثر من 2% خلال العام الحالي.

أزمة الوقود تثير مخاوف من احتجاجات جديدة

من أبرز مظاهر الأزمة الاقتصادية النقص المتزايد في الوقود، مع تسجيل طوابير طويلة أمام محطات الوقود وفرض قيود على كمية الوقود التي يمكن للمواطن الحصول عليها في كل عملية تعبئة.

وبحسب تقارير، تدرس الحكومة الإيرانية إمكانية رفع أسعار الوقود، في خطوة شديدة الحساسية، خصوصًا أن رفع الأسعار عام 2019 أدى إلى اندلاع احتجاجات واسعة سقط خلالها مئات القتلى.

وتخشى السلطات من أن يؤدي تدهور الوضع الاقتصادي وارتفاع الأسعار إلى إعادة إشعال الشارع الإيراني، بعد الاحتجاجات التي قمعتها السلطات بعنف في وقت سابق.

واشنطن تفضّل الضغط الاقتصادي

في المقابل، لا يبدو أن الولايات المتحدة تستعد، في هذه المرحلة، لشن هجوم عسكري واسع على إيران، إذ تشير تقارير إلى أن واشنطن تركز في الوقت الراهن على الضغط الاقتصادي، مع استمرارها في تعزيز قواتها العسكرية في المنطقة.

كما تواصل الولايات المتحدة العمل على ضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، وسط تأكيدات أميركية بأن المضيق لا يزال مفتوحًا أمام حركة ناقلات النفط.

وتقول واشنطن إنها تمكنت من نقل ملايين براميل النفط يوميًا من الخليج العربي باتجاه المحيط الهندي تحت حماية عسكرية، بينما أظهرت صور الأقمار الصناعية تحركات لناقلات نفط تشير إلى استخدام عمليات نقل من سفن صغيرة إلى ناقلات أكبر خارج المضيق.

إلا أن هذه الادعاءات لا تزال صعبة التحقق بشكل مستقل، كما أن بعض الخبراء يشككون في وصول كامل الكميات المعلنة إلى الأسواق العالمية.

إيران تبحث عن مخرج عبر الوسطاء

في ظل الضغوط المتزايدة، تحاول دول عدة التوسط بين طهران وواشنطن، حيث وصل مسؤولون من سلطنة عُمان وباكستان وقطر إلى إيران خلال الأسبوع الحالي، ونقل بعضهم رسائل أميركية إلى القيادة الإيرانية.

لكن البيت الأبيض نفى وجود مفاوضات مباشرة مع طهران، فيما لا تبدو القيادة الإيرانية مستعدة بسهولة لقبول المطالب الأميركية، خصوصًا في ما يتعلق بالبرنامج النووي ومستقبل مضيق هرمز.

«كبش فداء» لتخفيف الغضب الداخلي

ويتمثل الخطر الأكبر، وفق تقديرات الكاتب، في أن يؤدي الضغط الاقتصادي إلى دفع القيادة الإيرانية للبحث عن وسيلة لتحويل غضب الشارع إلى عدو خارجي.

فمسؤولو النظام الإيراني المتشددون يواصلون إطلاق تهديدات ضد الدول التي تتعاون مع الولايات المتحدة أو تلتزم بالعقوبات، فيما ظهرت أيضًا تصريحات تتحدث عن إمكانية أن تبادر إيران إلى شن هجوم بدل انتظار ما تعتبره «استفزازًا».

وقد تلجأ القيادة الإيرانية، إذا شعرت بأن استقرار النظام بات مهددًا، إلى افتعال مواجهة محدودة بهدف تحويل الأنظار عن الأزمة الداخلية وإعادة ترتيب أوراقها التفاوضية.

ولا يعني ذلك بالضرورة أن إسرائيل ستكون الهدف الأول، إذ قد يكون الهدف الأساسي تخفيف الضغط الأميركي وامتصاص الغضب الشعبي والعودة إلى طاولة المفاوضات بشروط أكثر ملاءمة لطهران.

خطر الانزلاق إلى مواجهة جديدة

ورغم ذلك، فإن خطر التصعيد لا يزال قائمًا، في ظل رغبة إيران في الانتقام من إسرائيل والولايات المتحدة بعد الضربات التي استهدفت قياداتها، وفشل محاولات سابقة لتحقيق ذلك عبر هجمات سيبرانية أو محاولات لاستهداف مسؤولين وشخصيات مرتبطة بهم.

وتشير المعطيات إلى أن المسار الحالي يحمل خطر الانزلاق نحو مواجهة جديدة، ولو كانت محدودة ومحسوبة.

ويبقى السؤال الأساسي هو ما إذا كان الوسطاء سيتمكنون من قطع فتيل التصعيد قبل وصوله إلى مرحلة يصعب السيطرة عليها.

وبذلك، قد تتحول الحملة الأميركية الهادفة إلى إخضاع إيران عبر الضغط الاقتصادي إلى عامل يؤدي، paradoxically، إلى إعادة إشعال المواجهة العسكرية في المنطقة.

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]