الإيمان بالله لا يكفي دون إصلاح الأعمال: سنن الله في دفع العقاب وتسلّط الأعداء
"الإيمان بالله من غير إصلاح الأعمال لا يمنع العقاب وتسلّط الأعداء"
قال الله تعالى:
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾.
قال الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية:
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىٰ﴾ أي: أهل القرى. ﴿بِظُلْمٍ﴾ أي: بشركٍ وكفرٍ. ﴿وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ أي: فيما بينهم في تعاطي الحقوق؛ أي لم يكن ليُهلكهم بالكفر وحده حتى ينضاف إليه الفساد، كما أهلك قوم شعيب ببخس المكيال والميزان، وقوم لوط باللواط. ودلّ هذا على أن المعاصي أقرب إلى عذاب الاستئصال في الدنيا من الشرك، وإن كان عذاب الشرك في الآخرة أصعب.
(تفسير القرطبي)
وجاء في تفسير الطبري:
قيل: معنى ذلك: "لم يكن ليهلكهم بشركهم بالله، ﴿وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ فيما بينهم، لا يتظالمون، ولكنهم يتعاطون الحق بينهم، وإن كانوا مشركين؛ إنما يهلكهم إذا تظالموا".
(تفسير الطبري)
يُستفاد مما سبق أن إصلاح الناس فيما بينهم، وإقامة العدل، ورفع الظلم، من أسباب دفع الهلاك والعقوبات، وأن فساد العلاقات بين الناس والاعتداء على الحقوق قد يكون سببًا في نزول العقاب وتسلّط أهل البغي والعدوان.
ويؤيد ذلك قوله تعالى:
﴿فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
فهل أدركنا الآن جانبًا من الحكمة وراء تسلّط الأعداء والسفهاء وأصحاب الأهواء علينا؟
إن تدبّر هذه الآيات وتفسيرها يجيب عن سؤال طالما حيّر الكثيرين منا.
أ.د. مشهور فواز
رئيس المجلس الإسلامي للإفتاء
ملاحظات تحريرية:
* استبدلتُ عبارة "مانع من إهلاكهم" بعبارة "من أسباب دفع الهلاك" لأنها أدقّ من الناحية الشرعية؛ إذ إن الآية تتحدث عن سنن الله وأسباب العقوبة، وليس عن قاعدة مطلقة تمنع كل عقاب.
* عدّلتُ "تسلّط الأعداء عليهم، وإن كانوا مشركين" حتى لا تُفهم كأنها قاعدة عامة في كل الحالات، بل ربطتها بالعدل والإصلاح ورفع الظلم.
* صححتُ بعض علامات الترقيم والصياغات لتصبح أقرب إلى أسلوب المقالات الدينية المنشورة.
[email protected]
أضف تعليق