تُظهر معطيات استطلاع جديد نشره “لوبي النساء” في إسرائيل فجوة مقلقة بين الحضور الانتخابي المتزايد للنساء وبين شعورهن بضعف التمثيل السياسي. وبحسب الاستطلاع، قالت 59% من النساء إنهن لا يشعرن بوجود أي رئيس حزب يروّج لمصالحهن كنساء، في حين بيّنت المعطيات أن النساء أكثر مشاركة في التصويت من الرجال، إذ قالت 76% منهن إنهن صوّتن في الانتخابات الأخيرة، مقارنة بنسبة التصويت العامة التي بلغت 70.6%.

كما أظهر الاستطلاع أن خفض غلاء المعيشة يتصدر سلّم أولويات النساء في الانتخابات المقبلة، سواء كنّ يصوّتن لأحزاب الائتلاف أو المعارضة، ما يعكس مركزية القضايا الاجتماعية والاقتصادية في نظرة النساء إلى السياسة، لا بوصفها شأنًا انتخابيًا فقط، بل بوصفها أداة للتأثير في الحياة اليومية.

وفي تعقيبها على هذه المعطيات، قالت الدكتورة مها كركبي صباح، المحاضرة الكبيرة في قسم علم الاجتماع والأنثروبولوجيا في جامعة بن غوريون، إن ارتفاع مشاركة النساء في التصويت يعكس تحولًا اجتماعيًا مهمًا في مكانتهن وحضورهن في الحيز العام. وأوضحت أن النساء كنّ في الماضي أقل حضورًا في المجال العام، وكان ذلك ينعكس أيضًا على نسب مشاركتهن السياسية، أما اليوم فإن ارتفاع التصويت بين النساء يدل على أنهن ينظرن إلى العملية الديمقراطية بوصفها مسارًا مهمًا ومؤثرًا.

بلورة السياسات

لكن كركبي صباح شددت على أن المعطى الأهم لا يكمن فقط في ارتفاع المشاركة، بل في المفارقة بين هذه المشاركة وبين ضعف حضور النساء في مراكز صنع القرار. وقالت إن النساء يملكن قوة انتخابية واضحة، لكنهن لا يملكن بالقدر نفسه قدرة فعلية على بلورة السياسات، وطرح احتياجاتهن، وتحويل قضاياهن إلى جزء مركزي من الأجندات السياسية.

وأضافت أن هذا التناقض قد يخلق شعورًا واسعًا بالإحباط لدى النساء، لأن الأحزاب تتوجه إليهن كقوة تصويتية، لكنها لا تمنحهن تمثيلًا كافيًا في القيادة أو في صياغة السياسات. ووفقًا لها، فإن شعور غالبية النساء بأنه لا يوجد رئيس حزب ممثل بامرأة او وجود امرأة في فريق العمل لتفاوض حول المشتركة على سبيل المثال يكشف أزمة أعمق في بنية السياسة نفسها، التي ما زالت تعمل وفق منطق هرمي تهيمن عليه القيادة الذكورية.

وترى كركبي صباح أن غياب النساء عن رئاسة الأحزاب ومواقع القيادة ليس مسألة رمزية فقط، بل يعكس بنية أوسع في الحيز العام. فكلما ارتفع موقع التأثير والسلطة والقدرة على اتخاذ القرار، تراجع حضور النساء وازداد حضور الرجال. وينطبق ذلك، بحسب قولها، على السياسة كما ينطبق على مجالات أخرى في سوق العمل والمؤسسات العامة. ففي نهاية الامر يعكس ذلك السقف الزجاجي الذي يحد من إمكانيات النساء.

وبالنسبة للأحزاب العربية، قالت كركبي صباح إن الصورة أكثر تعقيدًا. فرغم وجود لافت لنساء وفتيات وشابات ناشطات في العمل السياسي المحلي والجماهيري، إلا أن هذا الحضور لا يترجم إلى تمثيل كاف في قمة الهرم السياسي. وأضافت أن المجتمع العربي شهد نقطة تحول تمثلت في دخول نساء عربيات إلى العمل البرلماني من خلال الأحزاب العربية، لكن السقف بقي محدودًا، ولم يتحول إلى اختراق حقيقي وراسخ في قيادة الأحزاب.

وأشارت إلى أنه لا توجد حتى اليوم امرأة عربية تقود حزبًا، وعلى ما يبدو ما زال بعيدًا لوجود بعض المؤشرات لتراجع معين في الفترة الاخيرة. واعتبرت أن هذا الواقع يطرح سؤالًا جوهريًا حول الحواجز التي تمنع النساء العربيات من تحويل حضورهن المتزايد في الحيز العام والتعليم وسوق العمل إلى حضور سياسي مؤثر.

وأكدت كركبي صباح أن النساء العربيات يواجهن تهميشًا مركبًا، سياسيًا واجتماعيًا واقتصاديًا، إضافة إلى التعقيد المرتبط بمكانتهن القومية كجزء من المجتمع العربي الفلسطيني في إسرائيل. ولهذا، فإن قراءة أنماط التصويت لدى النساء العربيات لا يمكن أن تعتمد دائمًا على النماذج الغربية التي تفترض أن النساء يملن تلقائيًا إلى الأحزاب اليسارية أو الاجتماعية الاقتصادية. فبالنسبة للنساء العربيات، تتداخل القضايا الاقتصادية والاجتماعية مع قضايا المكانة القومية، والعلاقة مع الدولة، والأرض، والمسكن، والعنف والجريمة، والتمييز البنيوي.

ليس فقط قضايا النساء 

وشددت كركبي صباح على أن تمثيل النساء لا يجب أن يُختزل في قدرتهن على طرح “قضايا النساء” فقط. فوجود النساء في السياسة مطلوب من منطلق العدل والإنصاف، لأن النساء يشكلن نصف المجتمع ولهن الحق في المشاركة في صياغة كل القضايا العامة، وليس فقط القضايا المصنفة كنسوية. مسهبة أنه لطالما طالبت النسويات في تمثيل النساء ليس فقط في القضايا النسوية انما في القضايا العامة، منها العنف، التعليم وما إلى ذلك.
وقالت إن الرجال يستطيعون مبدئيًا الحديث عن قضايا النساء، لكن ذلك لا يعوّض غياب النساء عن مواقع القرار. فالتجربة اليومية للنساء، واحتياجاتهن، وطريقة تأثرهن بالسياسات العامة، تمنحهن قدرة مختلفة على ترجمة هذه التجربة إلى سياسات أكثر حساسية وعدلًا. كما أن غياب النساء يعني غياب وجهات نظر كاملة عن النقاش السياسي.

واعتبرت أن أي حزب يدّعي حمل قيم العدالة الاجتماعية لا يمكنه تجاهل غياب النساء عن الصف الأول. فالعدالة لا تُقاس فقط بالشعارات، بل أيضًا بتركيبة القيادة وبمن يملك حق اتخاذ القرار وصياغة الأجندة.

وتخلص كركبي صباح إلى أن المعطيات الجديدة لا تكشف عزوف النساء عن السياسة، بل العكس تمامًا: النساء يشاركن، يصوّتن، ويتعاملن مع السياسة كمسار مؤثر. غير أن الأزمة تكمن في أن المنظومة الحزبية لم تواكب هذا التحول، ولم تفتح بعد أبواب القيادة أمام النساء بصورة حقيقية، وخاصة أمام النساء العربيات اللواتي يواجهن تهميشًا مضاعفًا داخل السياسة العامة وداخل مجتمعهن في الوقت نفسه.

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]