عقد معهد دراسة المجتمع العربي في البلاد، في الكلية الأكاديمية الجليل الغربي، صباح اليوم الاثنين، مؤتمر «التسامح الديني: من النظرية إلى التطبيق؟»، بمشاركة رجال دين يهود ومسلمين ومسيحيين ودروز، إلى جانب باحثين من مؤسسات أكاديمية مختلفة وممثلين عن المجتمع المدني.
وجاء المؤتمر في ظل التوتر الأمني والتطورات الأخيرة في الساحة الإيرانية، وناقش المشاركون قضايا الحوار بين الأديان، ودور القيادات الدينية والمجتمعية في فترات الأزمات وعدم اليقين، والعلاقات بين اليهود والعرب في البلاد.
وقال رئيس الكلية الأكاديمية الجليل الغربي، البروفيسور نسيم بن دافيد، لـ«بكرا»، إن «التسامح الديني ليس سؤالًا نظريًا أو أكاديميًا فقط، بل قضية تمس الحياة اليومية لكل مواطن». وأضاف أنه «في فترة تتعالى فيها الأصوات المتطرفة، ويواجه المجتمع توترات وخلافات واستقطابًا، من المهم خلق مساحة يمكن فيها إدارة حوار محترم بين جماعات وديانات وهويات مختلفة».
وأشار بن دافيد إلى أن الكلية تشكل «مثالًا حيًا لهذا اللقاء»، حيث يدرس ويعمل فيها يهود ومسلمون ومسيحيون ودروز معًا يوميًا. وقال إن للأكاديميين وقادة المجتمعات ورجال الدين «مسؤولية مشتركة في تعزيز أسس المعرفة المتبادلة، والثقة، والاحترام، وترجمة قيم التسامح والشراكة من أقوال إلى أفعال».
الديانات والمواقف العامة
وخلال المؤتمر، بحث المشاركون مكانة الديانات التوحيدية في تشكيل المواقف العامة، وتعزيز الحياة المشتركة، والمساهمة في حل النزاعات. وفي الجلسة الأولى، التي تناولت الحاجة إلى لقاء الآخر في الخطاب الديني والعام، عرضت الدكتورة سلوى علينات عابد من الجامعة المفتوحة، والدكتورة ليلى عبد ربه، الباحثة في معهد ترومان لدفع السلام في الجامعة العبرية، نتائج بحث حول الحوار بين الأديان لدى نساء مسلمات ويهوديات في البلاد.
وقالت الدكتورة علينات عابد إن الوعي بأهمية دور النساء في بناء السلام والحوار بين الأديان ازداد في السنوات الأخيرة، لكنهن ما زلن شبه غائبات عن مراكز اتخاذ القرار. وأشارت إلى أن البحث أظهر أن النساء هن من يخلقن عمليًا اللقاء بين الأديان، ويقمن حوارًا متواصلًا، ويبنين علاقات معرفة وثقة حتى في واقع تسوده الريبة والتوتر.
من جهته، قال رئيس معهد دراسة المجتمع العربي في البلاد، البروفيسور محمد سواعد، إن للديانات تأثيرًا عميقًا في تشكيل المواقف والهويات والسلوكيات داخل المجتمع، ولذلك يمكن أن تكون عاملًا يزيد الصراعات، لكنها قد تكون أيضًا موردًا مهمًا لتعزيز المصالحة والعيش المشترك.
وأضاف سواعد أن هدف المؤتمر هو فحص كيفية ترجمة المبادئ الدينية إلى واقع اجتماعي وسياسي، ودور رجال الدين في صياغة العلاقات بين الجماعات والمجتمعات في البلاد. وقال إن «الحياة المشتركة لا تتطلب التسامح فقط، بل تتطلب أيضًا المسؤولية، والإصغاء، والاستعداد للعمل معًا».
اخلاق وسلطة
وتناول البروفيسور نهاد علي، من الكلية الأكاديمية الجليل الغربي، في محاضرته العلاقة بين التدين والتسييس الديني وتأثيرها في العلاقات بين المجموعات داخل المجتمع. وقال إن الدين كان عبر التاريخ مصدرًا للمعنى والأمل والأخلاق، لكنه كان أيضًا مصدرًا للسلطة والصراعات. وأضاف أن الجسر بين الإيمان المطلق والتسامح الديني معقد، لأن ديانات كثيرة تنطلق من فكرة امتلاك الحقيقة المطلقة، ما قد يصعّب قبول معتقدات أخرى.
كما عرض المستشرق الدكتور أفنر ساعر، من الكلية الأكاديمية الجليل الغربي، نتائج بحث استمر خمس سنوات، أجرى خلاله 12 مقابلة معمقة مع أئمة ورجال دين مسلمين بارزين في البلاد، بهدف فحص إمكانات الحوار بين الأديان ودور القيادات الدينية في تشكيل المعايير الاجتماعية وحل النزاعات.
وقال ساعر إن قيادة دينية واضحة يمكن أن تؤثر في الواقع داخل المجتمع، مشيرًا إلى أنه عندما يرفع الإمام صوتًا واضحًا ضد العنف والمساس بحياة الإنسان، فقد يكون لكلامه تأثير أعمق من تأثير جهات رسمية.
حوارية حول المعنى
وخصصت الجلسة الثانية من المؤتمر لحوار بين ديني بمشاركة رجال دين وممثلي مجتمع مدني، حول معنى التسامح ودور رجل الدين في تعزيزه على أرض الواقع. وشارك في الجلسة الحاخام عديئيل بوارون، والأب إبراهيم شوفاني، والشيخ الدكتور عمر كيال، والشيخ الدكتور جميل خطيب، وحاييم أسولين من مؤسسي حركة «كيشيت» من أجل الحياة المشتركة في عكا.
وأكد المشاركون في الجلسة أن تعزيز الحياة المشتركة يبدأ من التربية داخل العائلة، واللقاء المباشر بين الناس، وكسر الحواجز بين المجتمعات، والتمييز بين الدين والصراعات السياسية.
[email protected]
أضف تعليق