في ظل تحركات الدولار في إسرائيل عند مستويات منخفضة نسبيًا أمام الشيكل، وتذبذب أسعار الذهب عالميًا بعد موجة ارتفاعات حادة، ووسط تضخم يواصل التأثير على القدرة الشرائية للعائلات، تتزايد أسئلة الجمهور حول اتجاه السوق: هل يرتفع الدولار من جديد؟ هل تراجع الذهب مؤقت؟ ولماذا لا يشعر المواطن بانخفاض الأسعار رغم قوة الشيكل؟

التوقعات 

المحلل الاقتصادي أحمد ميعاري قال في حديث لموقع "بكرا" إن التنبؤ باتجاه الدولار في هذه المرحلة ليس أمرًا بسيطًا، لأن سعره يتأثر بعوامل كثيرة، أبرزها قرارات الفائدة في إسرائيل والولايات المتحدة، إضافة إلى التصريحات الصادرة عن بنك إسرائيل والبنك الفيدرالي الأميركي.

وقال ميعاري: "من الصعب أن نقول بشكل قاطع إلى أين يتجه الدولار. كل خبر عن الفائدة في إسرائيل أو في أميركا يمكن أن يرفع الدولار أو يخفضه. من يشتري الدولار فقط لأنه يتوقع ارتفاعه يدخل في مخاطرة لا أنصح بها".

وأوضح ميعاري أن تراجع الدولار في الفترة الأخيرة يرتبط، من جهة، بالخوف من تباطؤ الاقتصاد الأميركي وتوقعات خفض الفائدة الأميركية. ومن جهة أخرى، يرتبط التراجع بقوة الشيكل أمام الدولار واليورو، وهي قوة نابعة من ثقة المستثمرين بالاقتصاد الإسرائيلي ومن تدفق استثمارات إلى قطاعات معينة، أبرزها الصناعات الأمنية والتكنولوجيا المرتبطة بها.

العملات وقوتها 


وأشار إلى أن العملة تعكس عاملين أساسيين: سياسة الدولة وقوة الاقتصاد. وشرح ذلك بقوله إن بعض العملات، مثل الدرهم الإماراتي أو الدينار الأردني، مرتبطة بالدولار ضمن سياسة نقدية واضحة، بينما يتحرك الشيكل وفق قوة السوق وثقة المستثمرين بالاقتصاد المحلي.

وأضاف أن الحروب الأخيرة أظهرت، في نظر المستثمرين، قدرة إسرائيلية في قطاعات أمنية وتكنولوجية، ما زاد الطلب على شركات السلاح والتقنيات العسكرية الإسرائيلية. كما أشار إلى عامل آخر يتعلق بسوق السكن، إذ إن التوترات والحروب تدفع يهودًا من دول مختلفة إلى شراء بيوت في إسرائيل، سواء للسكن أو للاستثمار أو لضمان مكان آمن لهم، وهو ما يضيف طلبًا جديدًا على السوق ويقوي الشيكل.

لكن ميعاري شدد على أن قوة الشيكل لا تعني بالضرورة تحسن حياة المواطن. وقال إن المواطن قد يسمع أن الشيكل قوي، لكنه في الوقت نفسه يشعر أن قدرته الشرائية تراجعت، لأن الأسعار اليومية ارتفعت بشكل كبير.

وأوضح أن التضخم يعني ارتفاع أسعار سلة السلع والخدمات التي يستهلكها المواطن. وأضاف أن المشكلة في إسرائيل لا ترتبط فقط بسعر الدولار، بل ببنية السوق نفسها. فحتى عندما ينخفض الدولار، لا تنخفض الأسعار تلقائيًا، رغم أن جزءًا كبيرًا من السلع مستورد.

وقال ميعاري إن المستوردين يستفيدون من الدولار المنخفض، لكن هذا الربح لا ينتقل بالضرورة إلى المستهلك. "في الصيف، الناس الذين يسافرون إلى الخارج يفرحون بانخفاض الدولار. لكن على المدى الأبعد، الدولار المنخفض لا يخفض الأسعار عندنا. المستوردون يربحون أكثر، لكن المواطن لا يرى هذا الانخفاض على الرفوف".

وأشار إلى أن استمرار الدولار عند مستوى منخفض ليس بالضرورة مصلحة للدولة، لأن ذلك يضر قطاعات التصدير. وأضاف أن بنك إسرائيل لم يتدخل بشكل مباشر أكثر من اللازم حتى الآن، لكن أي تغيير في سياسة الفائدة قد يؤثر بسرعة على سعر الدولار.

غلاء المعيشة 

وتطرق ميعاري إلى غلاء المعيشة، وقال إن أحد أسباب ارتفاع الأسعار هو أن استهلاك الناس للسلع الأساسية لا يتوقف حتى عندما ترتفع الأسعار. فالعائلات لا تستطيع التوقف عن شراء الخبز، الحليب، الأجبان، الحفاضات والمواد الأساسية، وهذا يمنح الشركات قوة كبيرة في رفع الأسعار.

وقال إن شركات كبرى رفعت الأسعار، ثم رأت أن الطلب لم يتراجع، فاستمرت في ذلك. وأضاف: "طالما الناس تشتري رغم الأسعار العالية، لا يوجد سبب يدفع التاجر إلى خفض السعر. التاجر يريد الربح، والشركات الكبيرة هدفها زيادة الربح".

وأشار إلى أن المقاطعة والضغط الشعبي يمكن أن يؤثرا على السوق، مستذكرًا احتجاجات غلاء المعيشة التي أجبرت شركات كبرى في السابق على خفض الأسعار. لكنه قال إن الوضع الحالي مختلف، لأن الأسعار ارتفعت بشكل واسع، والناس تواصل الشراء رغم الثقل الكبير على ميزانية العائلة.

ولفت ميعاري إلى شكل آخر من رفع الأسعار لا ينتبه له كثيرون، وهو تقليل الكمية مع إبقاء السعر كما هو. وأعطى أمثلة على عبوات حفاضات كانت تحتوي على 40 حفاضًا وأصبحت تحتوي على 36 بالسعر نفسه، أو عبوات غذائية انخفض وزنها من 750 غرامًا إلى 600 غرام دون تغيير السعر. وقال إن هذا أيضًا رفع أسعار، لكنه يتم بطريقة غير مباشرة.

وأضاف أن رفع الأسعار يحدث اليوم بطريقتين: الأولى مباشرة، عبر رفع سعر السلعة نفسها، والثانية غير مباشرة، عبر تقليل الكمية داخل العبوة مع الحفاظ على السعر القديم.

وتحدث ميعاري أيضًا عن عوامل أخرى تضغط على الأسعار، منها رفع الحد الأدنى للأجور، وارتفاع ضريبة القيمة المضافة إلى 18%، وارتفاع أجارات المحلات التجارية. وقال إن صاحب المصلحة الذي يدفع عشرات آلاف الشواقل إيجارًا لمحل صغير في مدينة مثل حيفا، لا يستطيع بيع منتجاته بأسعار منخفضة، بل ينقل الكلفة إلى الزبون.

السكن والذهب 

وفي سوق السكن، قال ميعاري إن الأسعار لم تعد تعكس فقط العرض والطلب الطبيعيين، بل أيضًا سيطرة رؤوس الأموال الكبيرة على السوق. وأشار إلى أن شركات ومطورين عقاريين يفضلون ترك شقق فارغة لسنتين أو ثلاث بدل خفض السعر، لأنهم يملكون قدرة مالية على الانتظار. وقال إن البنوك تستفيد أيضًا من هذا الوضع عبر أرباح كبيرة من القروض والرهون العقارية، بينما يدفع المواطن الثمن.

أما في ما يتعلق بالذهب، فأكد ميعاري أنه لا يتخصص في سوق الذهب، لكنه أوضح أن الذهب تاريخيًا يرتفع في أوقات الأزمات والتوترات الجيوسياسية لأنه يعد ملاذًا آمنًا. وعندما تظهر توقعات لهدنة أو تهدئة، يبدأ سعره بالتراجع.

وقال إن الارتفاعات الحادة في الذهب خلال الفترة الأخيرة لا يمكن التعامل معها كأمر دائم. فالذهب، مثل أي سلعة أخرى، يخضع للعرض والطلب. وإذا زاد العرض، أو اكتُشف منجم كبير، أو تراجعت المخاوف السياسية، فقد ينخفض السعر.

وأشار إلى أن الحديث عن البيتكوين بوصفه "ذهبًا رقميًا" لم يلغِ مكانة الذهب التقليدية، لكنه أظهر أن الأسواق أصبحت أكثر تعقيدًا. فالبيتكوين والعملات الرقمية تراجعت أيضًا رغم تقديمها أحيانًا كملاذ بديل، وهذا يثبت أن المستثمر العادي يجب أن يكون حذرًا في التعامل مع أي أصل مالي.

توصيات 

وفي توصياته للجمهور، قال ميعاري إن من المنطقي أن يحتفظ المواطن في إسرائيل بمبلغ محدود من الدولار واليورو جانبًا، خصوصًا إذا كان يسافر أو يحتاج إلى عملات أجنبية للدراسة أو العلاج أو المصاريف الخارجية. وقدّر هذا المبلغ بنحو ألفين إلى ثلاثة آلاف دولار، ومبلغ مشابه باليورو، بحسب حاجة كل شخص.

لكنه حذر من تحويل مدخرات كبيرة إلى الدولار بهدف المضاربة على ارتفاعه. وقال: "إذا كان مع الشخص مئة ألف شيكل ويريد تحويلها إلى الدولار فقط لأنه يتوقع أن يرتفع، فهذه مخاطرة. لا أحد يعرف إلى أين يذهب الدولار. خبر واحد قد يرفعه، وخبر آخر قد يخفضه".

ونصح من يحتاج إلى الدولار، مثل من يدرس ابنه في الخارج، بألا يشتري كل المبلغ دفعة واحدة، بل أن يشتري على مراحل. وشرح أن الشراء الشهري أو التدريجي يمنح المواطن سعرًا متوسطًا ويخفف الخسارة إذا انخفض الدولار بعد الشراء.

وختم ميعاري بالتأكيد أن السوق اليوم سريع التأثر بالأخبار، خصوصًا أخبار الفائدة في إسرائيل والولايات المتحدة. لذلك، فإن القرار المالي يجب أن يستند إلى الحاجة الفعلية لا إلى محاولة توقع حركة الدولار اليومية.

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]