في أعقاب ما شهدته المنطقة أمس من تصعيد خطير طال دولة الكويت، وأعاد إلى الواجهة القلق من انتقال نيران الحرب إلى دول خليجية لم تكن طرفًا مباشرًا في المواجهة، يتجدد السؤال السياسي الأهم: من المستفيد من توسيع دائرة الحرب؟ ولماذا تُدفع دول عربية وخليجية إلى مربع الاستهداف والتهديد، في وقت تعمل فيه على احتواء التصعيد ومنع الانزلاق إلى مواجهة إقليمية أوسع؟
ليس حادث أمني منفصل
قال المحلل السياسي د. عبد الرحيم محمود جاموس، في حديثه لـ"بكرا"، إن أي اعتداء يطال دولة عربية أو منشآتها المدنية والحيوية لا يمكن التعامل معه كحادث أمني منفصل عن السياق العام في المنطقة. فهذه الاعتداءات، وفق تقديره، تأتي في لحظة شديدة الحساسية، وتحمل أبعادًا سياسية واستراتيجية تتجاوز مكان سقوط الصاروخ أو حجم الضرر المباشر.
وأضاف جاموس أن استهداف دول الخليج، وفي مقدمتها الكويت والبحرين، يمس جوهر الأمن القومي العربي والخليجي، ويهدد بتحويل دول تبذل جهودًا دبلوماسية لخفض التصعيد إلى أطراف مضطرة للانشغال بحماية أمنها وسيادتها. وهذا بحد ذاته يخدم، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، كل من يريد إضعاف مسار الوساطة وإطالة أمد الحرب.
وأوضح أن القانون الدولي واضح في هذه المسألة، إذ يحظر استخدام القوة أو التهديد بها ضد سيادة الدول وسلامة أراضيها واستقلالها السياسي. كما أن تعريض المطارات والمنشآت المدنية والبنى التحتية للخطر لا يزيد إلا من احتمالات الفوضى، ويهدد الأمن والسلم في المنطقة بأسرها.
وشدد جاموس على أن المواقف العربية والخليجية التي أدانت أي مساس بأمن الكويت وسيادتها تعكس إدراكًا جماعيًا لخطورة المرحلة. فأمن الكويت، كما قال، ليس شأنًا كويتيًا فقط، بل هو جزء من منظومة الأمن الخليجي والعربي، وأي تهديد لها يعني تهديدًا مباشرًا لاستقرار المنطقة.
الأخطر ..لقاء مع مساعي إسرائيل
ورأى أن الأخطر في هذه الاعتداءات أنها تلتقي في نتائجها السياسية مع ما تسعى إليه إسرائيل، وهو توسيع رقعة الصراع وتحويله من مواجهة محدودة إلى حرب إقليمية شاملة. فكلما دخلت دول جديدة في دائرة الاستهداف، تراجعت فرص الحلول السياسية، واتسعت مساحة الاصطفافات الأمنية والعسكرية، وتقدمت لغة القوة على حساب الحوار والدبلوماسية.
وقال جاموس إن دول الخليج اختارت، رغم حساسية موقعها الجغرافي وتشابك مصالحها مع مختلف الأطراف، نهج الحكمة وضبط النفس. وقد كرست جهودها للحفاظ على الاستقرار ومنع اندلاع حرب شاملة قد تدفع شعوب المنطقة ثمنها من أمنها واقتصادها ومستقبلها. لذلك، فإن استهداف هذه الدول لا يهدد أمنها الوطني فقط، بل يستهدف دورها السياسي أيضًا، ويضرب قدرتها على الوساطة والتقريب بين الأطراف.
وأضاف أن توسيع الحرب يخدم الأجندات التي تراهن على الاستنزاف والفوضى. فاستمرار التوتر يوفر الذرائع لمواصلة العمليات العسكرية، ويبعد الأنظار عن القضايا الأساسية، وفي مقدمتها ضرورة وقف الحرب وفتح مسار سياسي جاد يعالج جذور الأزمة بدل توسيعها.
وأكد جاموس أن استقرار دول الخليج يشكل ركيزة أساسية للاستقرار العربي والإقليمي والدولي، وأن حماية سيادة الدول العربية واحترام حدودها يجب أن يكونا خطًا أحمر. فالحروب، كما أثبتت التجارب، لا تنتج حلولًا مستدامة، بل تخلّف مزيدًا من الدمار وعدم اليقين.
وختم جاموس بالقول إن المنطقة لا تحتاج إلى حروب جديدة، بل إلى إرادة سياسية جديدة. ولا تحتاج إلى توسيع ساحات الصراع، بل إلى توسيع مساحات الحوار. أما الذين يدفعون باتجاه إشعال المزيد من الحرائق، فلن يحصدوا سوى مزيد من عدم الاستقرار، بينما تدفع شعوب المنطقة وحدها ثمن المغامرات والحسابات الخاطئة.
[email protected]
أضف تعليق