قدّم الباحث والخبير في شؤون المجتمع والديمقراطية محمد دراوشة اليوم محاضرة في جامعة حيفا في اطار الإعلان عن اقامة مركز فريز للأبحاث، تناول فيها التحوّلات العميقة التي تشهدها إسرائيل في السنوات الأخيرة، محذّراً من تزايد مظاهر الاستقطاب العمودي، وصعود الاستعلاء الديني–القومي المرتبط بالتيار المعروف بـ”الصهيونية الدينية”، إلى جانب تأثير الحرب الجارية على الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية على بنية المجتمع الإسرائيلي ومستقبل ديمقراطيته.

وشارك في المحاضرة العشرات من الطلاب والمحاضرين، الذين استمعوا إلى تحليل شامل قدّمه دراوشة حول طبيعة الانقسامات الداخلية في إسرائيل، مؤكداً أن ما يجري لم يعد مجرد خلاف سياسي بين يمين ويسار، بل إعادة تشكيل للهرم الاجتماعي، حيث تُمنح الشرعية والقوة لمجموعة واحدة، بينما تُدفع مجموعات أخرى إلى أسفل السلم الاجتماعي والسياسي.

وأوضح دراوشة أن المواطنين العرب يقفون في مركز هذا الاستقطاب، مشيراً إلى استمرار التمييز المؤسسي في مجالات الميزانيات، والبنى التحتية، والتخطيط، والتعليم، وإلى القوانين التي تُقصي العرب وتضعهم في مرتبة مواطنة أدنى، مثل قانون القومية. وأضاف أن الخطاب السياسي والإعلامي السائد يعمّق هذا التهميش، ويُصوّر العرب كتهديد دائم، ما يجعل المشكلة بنيوية وليست خلافاً سياسياً عابراً.

التحولات داخل المجتمع اليهودي 

وتطرّق دراوشة إلى التحوّلات داخل المجتمع اليهودي نفسه، حيث تتسع الفجوة بين المعسكرات السياسية، ويتزايد خطاب نزع الشرعية المتبادل. وأشار إلى أن صعود التيار الديني–القومي، أو “الصهيونية الدينية”، يعزّز هذا الاتجاه، إذ يطرح هذا التيار رؤية تعتبر الدولة ملكية دينية–قومية، وتمنح أتباعه حقاً حصرياً في تعريف الهوية الوطنية وتحديد من ينتمي ومن يُقصى. ومع تزايد نفوذ هذا التيار في الحكومة والجيش ومؤسسات الدولة، تتحوّل رؤيته إلى قوة تشريعية وتنفيذية تُعيد تشكيل المجال العام.

وفي سياق متصل، أكّد دراوشة أن الحرب على غزة والتصعيد في الضفة الغربية يضيفان طبقة جديدة من الخطورة، إذ تُنتج الحروب بيئة خصبة لتصاعد العنصرية وتبرير الإقصاء، وتوسيع الفجوات بين المجموعات. وأشار إلى أن الاحتلال الطويل خلق واقعاً تتداخل فيه القوة العسكرية مع الهوية القومية، ما يعزّز النزعة إلى رؤية الفلسطيني — سواء في غزة أو الضفة أو داخل إسرائيل — كتهديد وجودي، لا كإنسان له حقوق.

ولم يكتفِ دراوشة بتحليل الوضع الداخلي، بل قدّم مقارنات دولية، مستعرضاً تجارب الهند والأرجنتين كنماذج لتحذير إسرائيل من المسار الذي قد تنزلق إليه. ففي الهند، أدّى صعود القومية الهندوسية إلى تراجع التعددية واستقلال القضاء والإعلام. أما في الأرجنتين، فقد قاد الاستقطاب العمودي إلى فقدان الثقة بالمؤسسات وصعود الشعبوية، ما ساهم في تآكل النظام السياسي.

تحذير 

وحذّر دراوشة من أن الديمقراطية لا تنهار فجأة، بل تتآكل تدريجياً عندما يعتاد المجتمع على التمييز، وتُستخدم القوانين لتثبيت هيمنة مجموعة واحدة، ويتحوّل القضاء والإعلام إلى ساحات صراع سياسي، ويُعامل جزء من المواطنين كضيوف غير مرغوب فيهم. ومع استمرار الاحتلال والحرب، وصعود الصهيونية الدينية، يصبح هذا التآكل أسرع وأكثر عمقاً.

وفي ختام محاضرته، شدّد دراوشة على أن إسرائيل تقف أمام مفترق طرق تاريخي: إما الاستمرار في بناء هرم مائل يقود إلى ديمقراطية شكلية بلا مساواة ولا استقرار، وإما اختيار طريق الشراكة والمساواة، والاعتراف الكامل بالمواطنين العرب، وحماية استقلال القضاء، ووقف خطاب نزع الشرعية، وإعادة بناء الثقة بين المجموعات.

المحاضرة أثارت نقاشاً واسعاً بين الحضور، الذين طرحوا أسئلة حول مستقبل العلاقات بين المجموعات المختلفة في إسرائيل، وإمكانية بناء عقد اجتماعي جديد يضمن المساواة والعدالة للجميع.

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]