وثيقتان متناقضتان ومشهد إقليمي معقد
قال د. أحمد الخزاعي إن الأيام الأخيرة شهدت بروز وثيقتين متناقضتين تعكسان عمق الفجوة بين واشنطن وطهران. الأولى، التي صاغتها الولايات المتحدة، تضمنت خمسة عشر بنداً تركز على تفكيك القدرات النووية الإيرانية، منع أي تخصيب داخل الأراضي الإيرانية، تسليم اليورانيوم المخصب للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتدمير مواقع نطنز وأصفهان وفوردو. كما شددت على منح الوكالة وصولاً كاملاً إلى المعلومات، تخلي إيران عن نهج الوكلاء، وقف تمويل وتسليح المليشيات، إبقاء مضيق هرمز مفتوحاً، وتأجيل البت في ملف الصواريخ الباليستية مع حصر استخدامها في الدفاع. في المقابل، عرضت واشنطن رفع العقوبات، دعم برنامج نووي مدني في بوشهر، وإلغاء آلية إعادة فرض العقوبات تلقائياً، في محاولة لتقديم حوافز مقابل تنازلات جوهرية تمس الأمن القومي الإيراني.
وأوضح الخزاعي أن الوثيقة التي نقلتها قناة الميادين قبل أيام عن مسؤول إيراني جاءت في ستة بنود مختلفة تماماً في الاتجاه. إيران طالبت بضمانات بعدم تكرار الحرب، إغلاق القواعد العسكرية الأميركية في المنطقة، دفع تعويضات من الولايات المتحدة وإسرائيل، إنهاء الحروب في جميع الجبهات، فرض نظام قانوني جديد لمضيق هرمز، ومحاكمة وتسليم الإعلام المعادي لها. هذه الشروط تكشف — بحسبه — أن طهران لا تركز فقط على الملف النووي، بل تسعى إلى إعادة صياغة النظام الأمني الإقليمي برمته، وتحويل التفاوض من موقع الدفاع إلى موقع الندية عبر فرض شروط على واشنطن نفسها.
ميزان قوى متناقض واحتمالات مفتوحة
وشدّد الخزاعي على أن ميزان القوى هنا يظهر تناقضاً واضحاً؛ فالولايات المتحدة تراهن على الضغط النووي والعقوبات لإجبار إيران على تقليص نفوذها الإقليمي، بينما تراهن إيران على أوراق القوة الميدانية والثقة التي اكتسبتها من المواجهات الأخيرة لتوسيع نطاق التفاوض إلى قضايا تتجاوز النووي. وتراوح الاحتمالات — كما يقول — بين اتفاق جزئي يركز على النووي وهرمز، وبين فشل المفاوضات بسبب الهوة الكبيرة بين المطالب، أو صفقة شاملة نادرة تتطلب وساطة قوية وتنازلات مؤلمة من الطرفين. لكن النتيجة الأكثر ترجيحاً في المدى القريب، وفق تقديره، هي تفاهم محدود يفتح الباب لمفاوضات أطول، مع بقاء الملفات الكبرى مثل الوكلاء والقواعد الأميركية معلقة، وهو ما يعكس استمرار حالة "اللاحرب واللاسلم" في المنطقة.
وأضاف الخزاعي أنه في ضوء هذه المعطيات، يرجّح أن يتحول المسار إلى عملية تفاوضية طويلة تتسم بالمرحلية والتجزئة؛ إذ ستسعى واشنطن إلى تثبيت مكاسبها في الملف النووي عبر اتفاق جزئي يمنحها ضمانات تقنية ويبقي العقوبات ورقة ضغط، بينما ستعمل طهران على توسيع دائرة التفاوض لتشمل القواعد الأميركية ومضيق هرمز، مستفيدة من ثقتها الميدانية ودعم أطراف دولية منافسة للولايات المتحدة. والنتيجة — كما يراها — ليست صفقة شاملة بل تفاهم محدود يفتح الباب أمام جولات جديدة، مع استمرار حالة التوازن السلبي التي تفرضها إيران بنفوذها الإقليمي، وتستثمرها واشنطن كورقة ضغط في المدى المتوسط.
تصعيد محتمل مرتبط بالمهلة الجديدة
وكشف الخزاعي أنه في جولات التفاوض السابقة، دخلت إيران الطاولة دون تقديم أي تنازلات تُذكر، واكتفت بإضاعة الوقت ظناً منها أن أسلوب ترامب لن يختلف عن نهج بايدن أو أوباما. لكن عندما انتهت المهلة المحددة في المرتين، اندلعت الحرب مباشرة. وقبل يومين، صرّح ترامب في حديثه مع رئيسة الوزراء اليابانية بأن اليابان لم تكن تتوقع ما حدث في هيروشيما، ثم أضاف بتعليق غير مباشر بأن إيران لا تدرك ما ينتظرها.
وأشار الخزاعي إلى أنه عند وضع هذه التصريحات في سياق المهلة الجديدة التي حدّدها ترامب بخمسة أيام، ومع احتمال أن يعيد الجانب الإيراني المناورات السابقة، يصبح من الممكن — وفق تحليله — استشراف نتيجة كارثية، خاصة مع تزامن وصول تعزيزات عسكرية ضخمة إلى المنطقة، وانتشار العتاد بين شرق أوروبا وبحر العرب.
[email protected]
أضف تعليق