قال المحامي والباحث في العلوم الاجتماعية في منتدى التفكير الإقليمي، أمير فاخوري، إن الحرب على إيران لا تكشف فقط عن قرار عسكري أو سياسي آني، بل تفضح بنظره بنية أعمق تحكم إسرائيل منذ سنوات، تقوم على تحويل القوة العسكرية إلى الأداة الأولى، وأحيانا الوحيدة، في التعامل مع الأزمات والتحديات.
وفي تصريحات خاصة مستندة إلى المواقف التي عرضها في منشور مطول، قال فاخوري لـ"بكرا" إن "العسكرة في إسرائيل لم تعد مجرد ميل سياسي، بل أصبحت منطقًا عامًا يطغى على الدبلوماسية وعلى أي تفكير بدائل". وأضاف أن "السؤال لم يعد لماذا تذهب إسرائيل إلى الحرب، بل لماذا لم يعد في داخلها تقريبا من يطرح بجدية خيارًا آخر".
ويرى فاخوري أن خطورة المشهد الحالي لا تكمن فقط في تأييد الحرب، بل في تشكل مزاج عام جديد يدفع الجمهور إلى التفاعل معها بوصفها لحظة طبيعية، بل ومطلوبة. وقال لـ"بكرا": "نحن لا نتحدث فقط عن إنتاج إجماع حول الحرب، بل عن تطور شعور عام يمكن وصفه ببهجة الحرب. هناك من يطلب من الناس أن يفرحوا بوجود الحرب، وأن يتعاملوا مع الخوف والألم والضرر كأنها تفاصيل يجب إسكاتها".
الإعلام والخطاب العام
وبحسب فاخوري، فإن هذا المناخ لا يُصنع فقط في المؤسسة السياسية، بل أيضا في الإعلام والخطاب العام، حيث يجري تحويل الحرب إلى حالة يومية مفروضة، ويصبح الاعتراض أو الشك أو حتى التعبير عن المعاناة أمرا غير مرغوب فيه. وقال لـ"بكرا": "في هذا المناخ، لا مكان للشكوى ولا للأسئلة ولا للاعتراض. المطلوب هو الصمت والانضباط والتماهي مع خطاب الانتصار".
وأشار فاخوري إلى أن غياب معارضة إسرائيلية يهودية فاعلة للحرب يكشف عمق هذه الأزمة. ولفت إلى أن تأييد غالبية كبيرة من الإسرائيليين للحرب لا يمكن فصله عن تكوين اجتماعي وسياسي طويل رسخ مكانة القوة العسكرية في الوعي العام. وأضاف لـ"بكرا": "حين لا يقف سياسي إسرائيلي مركزي واحد من المعسكر اليهودي ضد الحرب، فهذه ليست صدفة. هذا تعبير عن واقع سياسي واجتماعي يرى في الحرب حلا أوليا ومشروعًا".
وفي قراءته للمشهد الإسرائيلي الداخلي، قال فاخوري إن الليبراليين الإسرائيليين سقطوا أيضا في فخ خطاب يبرر الحرب باسم "تحرير الشعب الإيراني". واعتبر أن هذا الطرح يكشف سذاجة سياسية وأخلاقية خطيرة، لأنه يتجاهل أن القصف والتدمير لا يمكن أن يشكلا أداة تحرير.
وقال لـ"بكرا": "بعض الليبراليين الإسرائيليين يتحدثون عن تحرير الإيرانيين. هذا ليس شأن إسرائيل أصلا، ولا يمكن لدولة تمارس الاحتلال ضد شعب آخر أن تقدم نفسها كقوة تحرر". وأضاف أن "الأولوية الواضحة هي النظر إلى الواقع القائم هنا، أي إلى الشعب الفلسطيني الواقع تحت السيطرة الإسرائيلية، بدل تسويق الحرب كأنها مشروع خلاص لشعوب أخرى".
وفي هذا السياق، شدد فاخوري على أن النقاش الحقيقي يجب أن يبدأ من مساءلة البنية السياسية الإسرائيلية نفسها، لا من إسقاط أوهام أخلاقية على حرب إقليمية مفتوحة. وقال لـ"بكرا": "قبل الحديث عن تحرير الآخرين، يجب التفكير في كيفية تحرير الفلسطينيين من السيطرة الإسرائيلية، وكيفية تحرير الإسرائيليين أنفسهم من منطق النظام الذي يعيد إنتاج الخوف والعنف بصورة دائمة".
قيادة اسرائيل نحو مسار بالغ الخطورة
ورأى فاخوري أن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو يقود إسرائيل نحو مسار بالغ الخطورة، ليس فقط على مستوى المنطقة، بل على مستوى النظام الدولي كله. وقال إن الحرب الجارية ليست حدثا منفصلا، بل جزء من واقع إقليمي قد ينفتح على مواجهات أوسع، مع تدخلات دولية وتداعيات قد تتجاوز حدود الشرق الأوسط.
وقال لـ"بكرا": "نتنياهو يدفع إسرائيل إلى حرب إقليمية مفتوحة تحمل في داخلها إمكانات تصعيد أكبر بكثير. هناك خفة في التعامل مع احتمالات تورط قوى دولية، ومع ما يعنيه ذلك سياسيًا وأخلاقيًا وتاريخيًا". وأضاف أن "إسرائيل تساهم اليوم، في غزة وفي إيران، في تقويض ما تبقى من النظام الدولي الليبرالي، لمصلحة عالم أكثر عنفًا وفوضوية".
وفي جانب آخر من تحليله، توقف فاخوري عند الفجوة العميقة بين العرب واليهود في إسرائيل في فهم هذه الحرب. وأوضح أن المسألة لا تتعلق فقط بخلافات سياسية تقليدية حول الجيش أو الديمقراطية أو المساواة، بل بخلاف أعمق يتعلق بالموقع الجيوسياسي لإسرائيل نفسها.
وقال لـ"بكرا": "هناك خلاف أساسي أقل حضورا في النقاش العام، وهو هل تُفهم إسرائيل باعتبارها جزءا من الغرب يعمل داخل الشرق الأوسط، أم باعتبارها جزءا من المنطقة نفسها. هذا الخلاف يفسر كثيرا من التباين في المواقف بين العرب واليهود من الحرب". وأضاف أن "كثيرين من العرب ينظرون إلى هذه الحرب ضمن منظومة قوة غربية وإمبريالية أوسع، لا كحدث أمني معزول".
ولفت فاخوري إلى أن هذا الفارق في الوعي السياسي والعاطفي يظهر أيضا في طريقة تلقي الحرب داخل المجتمعين العربي واليهودي. فبينما يُطلب من الجمهور اليهودي الاصطفاف خلف خطاب قومي وعسكري موحد، يشعر كثير من الفلسطينيين في الداخل بالاغتراب عن هذه اللغة وعن هذه الحالة العاطفية الجماعية.
اغتراب
وقال لـ"بكرا": "جزء من الفلسطينيين في الداخل لا يشعر فقط بالاختلاف السياسي، بل بالاغتراب عن الجماعة العاطفية الإسرائيلية نفسها، خصوصا حين يتحول الخطاب العام إلى تعبئة قومية وعسكرية شاملة". وأضاف أن هذا الاغتراب يترافق مع خوف حقيقي من نتائج التصعيد الإقليمي على الحيز الديمقراطي وعلى مكانة الأقلية العربية في الداخل.
ورغم هذا الواقع القاتم، يرى فاخوري أن هناك مساحة واحدة ما زالت قادرة على إنتاج بديل، وهي المجتمع المدني المشترك. وقال إن هذه القوى، رغم محدودية تأثيرها حتى الآن، تشكل نقطة الضوء الأساسية في المشهد الحالي لأنها ترفض الحرب وتحاول طرح لغة مختلفة وأسئلة مختلفة.
وقال لـ"بكرا": "المجتمع المدني المشترك هو نقطة الضوء الوحيدة تقريبا. لكنه مطالب بأن يفعل أكثر، ليس فقط في الاعتراض على الحرب، بل في بناء سردية بديلة وأفق سياسي مختلف". وأضاف أن "الفلسطينيين المواطنين في إسرائيل لا يستطيعون وحدهم تفكيك القبضة العسكرية على الوعي اليهودي الإسرائيلي، لكن العمل المشترك يستطيع أن يفتح ثغرة حقيقية".
وختم فاخوري بالتأكيد على أن المشهد الراهن لا يجب أن يُقرأ فقط من زاوية الغضب أو الصدمة، بل من زاوية المسؤولية السياسية أيضًا. وقال لـ"بكرا": "القلب الفلسطيني ممتلئ بالغضب والحزن في هذه الأيام، لكنه يحمل أيضا أسفا على مجتمع كامل يُطلب منه أن يبتلع ألمه وأن يفرح بالحرب. هذا الحزن يجب أن يتحول إلى أساس لسياسة جديدة، تنقذ الناس في هذه البلاد من الكارثة التي يعيشونها".
[email protected]
أضف تعليق