قدّمت الدكتورة ميسون ارشيد شحادة، المحاضِرة في الكلية الأكاديمية سخنين، قراءة تحليلية لجريمة مقتل وفاء حصارمة، من منظور تربوي، معتبرة أن قتل شخصية تربوية لا يمكن التعامل معه كحادثة جنائية معزولة، بل كحدث يهزّ جهاز التربية بأكمله ويترك أثرًا عميقًا داخل المدارس والطواقم التعليمية.
وقالت ارشيد- شحادة إن مقتل مربية أو مستشارة تربوية يمسّ جوهر العمل التربوي، لأنه يضرب الإحساس الأساسي بالأمان والاستقرار، ليس فقط لدى الطلاب، بل لدى المعلمين والإدارات والكوادر التربوية كافة. وأضافت أن العنف في هذه الحالة لا يتوقف عند الضحية، بل يتسلل إلى الصفوف، وإلى العلاقات اليومية داخل المدرسة، ويُضعف قدرة البالغين على أداء دورهم الحاضن.
وبحسب ارشيد- شحادة، فإن الأثر الأول للجريمة يظهر داخل الطواقم التربوية، من خلال توتر داخلي وتراجع الشعور بالثبات، ما يدفع بعض المعلمين إلى تقليل الانخراط الوجداني مع الطلاب، أو الاكتفاء بالحد الأدنى من الدور المهني، أو الاحتماء الصارم بالإجراءات والروتين. وأكدت أن هذه السلوكيات ليست ضعفًا مهنيًا، بل ردود فعل طبيعية على حدث صادم لم يُنظَّم بعد داخل الإطار المؤسسي.
النمط السائد في المدارس
وانتقدت د. ارشيد- شحادة نمط التعامل السائد في المدارس بعد حوادث عنف قاتلة، القائم على بيانات رسمية أو تدخلات علاجية قصيرة الأمد، معتبرة أن هذا النهج “يدير الحدث ولا ينظم الأثر”. وأوضحت أن الاكتفاء باستجابة تقنية أو زمنية يترك القلق الحقيقي لدى المعلمين والإدارات دون احتواء، ما يؤدي إلى تراكمه وتحوله إلى عبء طويل الأمد ينعكس سلبًا على العملية التعليمية.
وشدّدت على أن الإشكالية ليست في جودة رد الفعل، بل في الافتراض بأن الحدث يمكن احتواؤه إداريًا ثم تجاوزه. وقالت إن المطلوب هو تحوّل جذري في منطق العمل التربوي، من إدارة الطوارئ إلى تنظيم الأثر بوصفه مسارًا مستمرًا يحتاج إلى زمن وبنية داعمة.
ودعت إلى الاعتراف المؤسسي الواضح بأن جريمة مثل مقتل وفاء حصارمة هي حدث صادم له تبعات مهنية ونفسية، وليس مجرد ظرف عابر. وأشارت إلى أهمية إتاحة مساحات ثابتة للطواقم التربوية للتوقف، والتفكير، وتنظيم تجربتهم الانفعالية، بدل الضغط للعودة السريعة إلى “الوضع الطبيعي”.
المرافقة المهنية
كما أكدت أن المرافقة المهنية يجب أن تكون مستمرة وطويلة الأمد، لا جلسة واحدة أو تدخلًا عابرًا، وأن تُوجَّه لدعم الطاقم كجماعة مهنية، وليس لعلاج أفراد فقط. ولفتت إلى أن دور الإدارة المدرسية في مثل هذه الأزمات يجب أن يُعاد تعريفه، بحيث تكون عنصر تثبيت نفسي وتنظيمي، لا مجرد جهة ضبط.
وختمت د.ارشيد- شحادة بالتأكيد على أن هذا النهج لا يلغي العنف من الواقع، لكنه يقلل من هشاشة المدرسة أمامه، ويعيد للعاملين في التربية قدرتهم على الصمود والاحتواء. وقالت إن بناء منظومة قادرة على الاعتراف بالأثر وتنظيمه ليس ترفًا تربويًا، بل شرطًا أساسيًا لاستمرار التربية في واقع يتسم بالعنف وعدم الاستقرار.
[email protected]
أضف تعليق