قال البروفيسور يوسف مشهراوي، في تصريحات خاصة لموقع "بكرا"، إن ما يجري اليوم هو مسار تدمير شامل لمقومات الحياة، ليس فقط في غزة وإنما في المجتمع الإسرائيلي أيضاً. وأوضح: "لقد دمّرتم غزة. مدينة كاملة تحولت إلى حقل أنقاض. منازل انهارت، عائلات دُفنت تحت القصف، ومن نجا يعيش بلا ماء ولا كهرباء ولا مستقبل. هذه ليست حرباً، هذا خراب لوجود إنساني كامل. وكان بالإمكان غير ذلك: إعادة الإعمار، مدّ يد إنسانية، استبدال الدمار بالبناء والموت بالحياة".
وأضاف مشهراوي أنّ الحكومة دمّرت أيضاً قضية الأسرى والمخطوفين: "بدلاً من وضعهم في رأس الأولويات، جُعلوا ورقة مساومة سياسية. الوقت يمر، الثقة انهارت، والأمل انطفأ. كل يوم يمر هو خيانة إضافية لهم. وكان يمكن أن يكون الهدف واحداً ووحيداً: إعادتهم أحياء، بلا ألاعيب، بلا مصالح".
وتابع قائلاً: "دمّرتم عائلات المخطوفين. بدل العناق والدعم تلقّوا الإذلال والتشهير والاتهامات. آباء مرهقون، أطفال محطمون، وعائلات تحولت من ضحايا إلى أعداء. وكان يمكن استعادة كرامتهم، الإصغاء لهم، احتضانهم والاعتراف بألمهم كألم جماعي لنا جميعاً".
وأشار مشهراوي إلى أنّ منظومة القضاء، ركيزة الديمقراطية، انهارت: "القوانين تُداس، القضاة يتعرضون للهجوم، والعدالة تفقد معناها. ما بُني لعشرات السنين انهار خلال سنوات قليلة. وكان يمكن استعادة استقلالية القضاء، تعزيز دستور قائم على المساواة، وبناء الثقة مجدداً بأن القانون ملك للجميع".
حرية تعبير واكاديميا
كما شدّد على أنّ حرية التعبير تهاوت هي الأخرى: "من ينتقد يُلاحق، ومن يفكر بشكل مختلف يُسكت. الصحافيون يُقصون، الفنانون يُفصلون، الطلاب يعيشون في خوف. الكلمات تحولت إلى تهديد. وكان يمكن بدلاً من ذلك فتح المجال أمام حرية حقيقية، والاستماع حتى للرأي المؤلم، لأن المجتمع القوي لا يخشى أصواتاً مختلفة".
وأوضح البروفيسور أن الأكاديمية لم تسلم من هذا المسار: "مكان المعرفة والابتكار تحوّل إلى ساحة خوف. الباحثون صامتون، الطلاب مترددون، والتفكير النقدي بات يُعتبر تهديداً. وكان يمكن إعادة الاستقلالية للأكاديمية، وتمكين الفكر من الازدهار، وحماية المعرفة كأساس لمستقبل أفضل".
التعايش والأمن الشخصي
وتابع: "دمرتم التعايش. سنوات من بناء الثقة بين اليهود والعرب مُسحت بالتحريض والريبة. بدلاً من رؤية شركاء، وُسِموا كأعداء. وكان يمكن تجديد الجسور، العودة للحوار، التعاون، وفهم أن التعايش ليس حلماً بل شرطاً للوجود".
وأضاف أنّ الأمن الشخصي لم يعد قائماً: "وعدتم بالأمن وجلبتم الخوف. الشوارع لم تعد آمنة، الحدود مخترقة، والثقة بالدولة انهارت. وكان يمكن بناء أمن حقيقي عبر المصالحة والعدل، وفهم أن الحياة الآمنة تنبت من السلام لا من الحرب".
وختم البروفيسور يوسف مشهراوي تصريحاته قائلاً: "لقد دمرتم كل ما هو جميل في الدولة والمجتمع: الأمل، التضامن، والشعور بأن هناك بيتاً للجميع. وما تبقى هو الشك واليأس والكراهية. والآن تريدون تدمير مستقبلنا أيضاً، عبر احتلال غزة واستمرار دوامة الدم ودفن حلم السلام. لكن يمكن غير ذلك: التوقف هنا، تغيير الاتجاه، اختيار الحياة، اختيار السلام والمصالحة، ورؤية حقيقية لشعبين يعيشان هنا جنباً إلى جنب بكرامة… إن شاء الله".
[email protected]
أضف تعليق