سجّل الربع الأخير من عام 2025، بين تشرين الأول/أكتوبر وكانون الأول/ديسمبر، 32 حادثة اعتداء ضد مسيحيين في إسرائيل، وسط تركز واضح للوقائع في القدس، خصوصًا داخل البلدة القديمة. وبحسب معطيات مركز “المعطيات عن الحرية الدينية”، شكّلت حوادث البصق النسبة الأكبر من الاعتداءات خلال هذه الفترة، إذ تم توثيق 14 حادثة، إلى جانب 7 حالات تخريب واعتداء على ممتلكات، و5 حالات اعتداء لفظي، واعتداءين جسديين، وحالتين تحريض عبر الشبكات، وحادثة واحدة لتشويه لافتات دينية، إضافة إلى ثلاث حوادث أخرى. وفي المجمل، وثّق المركز خلال عام 2025 بأكمله 176 حادثة، بينها 106 حوادث بصق، كما تابع حتى 30 كانون الأول/ديسمبر 24 شكوى قُدمت للشرطة، أُغلقت 17 منها في نهاية المطاف بذريعة “الجاني غير معروف” أو نقص الأدلة، حتى في حالات أشير فيها إلى وجود توثيق مصور أو كاميرات شارع.

وتشير البيانات إلى أن 15 حادثة من أصل 32 وقعت داخل البلدة القديمة في القدس، فيما سُجلت 10 حوادث خارج القدس، وتوزعت الحالات الأخرى على مناطق مختلفة بينها الشمال وحيفا وطبريا ووسط البلاد. وداخل البلدة القديمة، برز تركز إضافي للحوادث في محيط منطقة البطريركية الأرمنية وشارع البطريركية الأرمنية وباب البطريركية الأرمنية، إلى جانب مواقع أخرى مثل “فيا دولوروزا” والحي اليهودي، ما يعكس، وفق المعطيات، نمطًا متكررًا في مناطق المرور السياحي والديني.

ومن بين الوقائع المفصلة التي وردت في التقرير، سُجلت في الثامن من تشرين الأول/أكتوبر ثلاث حوادث بصق في “فيا دولوروزا”، وفي اليوم نفسه أُلقيت زجاجة على نافذة في الدير البولندي داخل البلدة القديمة. وفي العاشر من الشهر ذاته وُثقت حادثة تضمنت بصقًا وعنفًا جسديًا ولفظيًا ضد سائحة، وأظهرت المعطيات أن مرشدًا سياحيًا تم توقيفه بعد محاولته إيقاف القاصر المعتدي، وفتح ضده ملف وفرض عليه أمر إبعاد لمدة 30 يومًا. وفي السادس عشر من تشرين الثاني/نوفمبر سُجل اعتداء جسدي على عائلة مسيحية قرب شارع البطريركية الأرمنية، حيث أصيب الأب، وأُشير إلى أن الشرطة أخلت العائلة، لكن الأب الذي تعرض للضرب احتُجز من منتصف الليل حتى السادسة صباحًا دون علاج طبي.

وخلال كانون الأول/ديسمبر، برزت حالات مرتبطة بالتحريض والرموز الدينية في المجال العام. ففي الرابع من الشهر، وثق التقرير حالة تحريض ديني وتشهير عبر الشبكات من خلال فيديو “يوتيوب” لمرشد مصادق عليه من وزارة التعليم حول مسيحيي حيفا وكنيسة “ستيلا ماريس”، وقد أُزيل الفيديو بعد تدخل، لكن تم رفع بديل يتضمن اتهامات وإساءات إضافية. وفي الرابع عشر من الشهر، سُجل تخريب في مدرسة “برنكو فايس” في كيبوتس ساسا، حيث تسبب طلاب بأذى متعمد لشجرة الميلاد ضمن برنامج تعليمي، فيما ذكرت المعطيات أن إدارة المدرسة عالجت الواقعة بخطوات تربوية داخل الصفوف. وفي الرابع والعشرين من الشهر، أزيلت شجرة ميلاد من مستشفى “أساف هاروفيه” بعد نشاط لمنظمة “حوتم”، وفي اليوم التالي سُجل تخريب لشجرة الميلاد وزينة العيد في كلية “كنيرت”.

وتشير خلاصات التقرير إلى أن الأعياد والمواسم الدينية تشهد ارتفاعًا في الاعتداءات نتيجة زيادة الوجود الديني اليهودي في القدس وتصاعد التوتر، وقد ظهر ذلك خلال عيد “سوكوت”، إلى جانب عودة رموز عيد الميلاد إلى الفضاء العام بعد عامين من التراجع وما تبع ذلك من احتكاكات وتخريب وقيود مؤسسية على عرض الرموز. كما رُصدت حالات متكررة لتشويه لافتات تؤدي إلى الكنائس في مناطق مثل بيت شيمش وأبو غوش، مع الإشارة إلى معالجة بعض الشكاوى بسرعة من جهات مسؤولة عن البنية التحتية والسلطات المحلية.

المطران وليم شوملي: ازدراء 

في موازاة هذه المعطيات، قدّم عدد من رجال الدين المسيحي تعقيبات تحذر من استمرار الاعتداءات وتراجع الاستجابة الرسمية لها. المطران وليم شوملي، النائب البطريركي للاتين في القدس، أكد أن المسيحيين يعانون، لا سيما في القدس والبلدة القديمة، من مظاهر الازدراء والتحقير من قبل “متدينين متطرفين”، وتتجلى هذه المظاهر في حوادث البصق، وكتابة شعارات مسيئة مليئة بالكراهية، وتدنيس المقابر والكنائس، وإلقاء زجاجات وحجارة على بعض الأديرة. وشدد شوملي على ضرورة وضع حد لهذه الانتهاكات، موضحًا أن معظم الحالات موثقة لدى مركز إسرائيلي مختص بالحريات الدينية، وأن هذا الواقع “غير مقبول” في بلد يُطلق عليه اسم الأرض المقدسة، وفي مدينة مثل القدس التي يفترض أن تبقى مفتوحة لجميع المؤمنين بالله. كما أشار إلى أن هذه الاعتداءات لا تلقى تجاوبًا فاعلًا من السلطات الإسرائيلية، لافتًا إلى أن بعض المتضررين لا يتقدمون بشكاوى، فيما يفترض بمن يتعرض للأذى التوجه إلى الشرطة وتقديم شكوى رسمية.

المطران حنا: عنصرية تتفاقم 

من جانبه، أكد المطران عطا الله حنا، رئيس أساقفة سبسطية للروم الأرثوذكس، أن الاعتداءات التي تستهدف المسيحيين ورجال الدين قد ازدادت في الآونة الأخيرة نتيجة استفحال ظاهرة العنصرية، وهي ظاهرة “قائمة ونلمس وجودها واتساعها” خلال الفترة الماضية. وشدد حنا على أن المسيحيين في هذه الأرض المقدسة باقون ومتمسكون بأصالتهم وإيمانهم وجذورهم، معتبرًا أن العنصرية لا يحق لأي جهة إنكارها أو التقليل من خطورتها، لكنها لن تنال من معنويات المسيحيين أو عراقة وجودهم. ودعا حنا كل من يتعرض للاعتداء، من العلمانيين أو رجال الدين، إلى تبليغ الجهات المعنية وعدم الصمت أو الخوف أو التردد، لأن الجهات المختصة يجب أن تكون على دراية كاملة بما يحدث.

المطران يونان: اجراءات حازمة

أما المطران منيب يونان، الرئيس السابق للاتحاد اللوثري، فأشار إلى أن رؤساء الكنائس أثاروا هذه القضية، ولا سيما حوادث البصق التي تستهدف رجال الدين، مؤكدًا أن المسيحيين تعلموا قيم التسامح من السيد المسيح، لكن ذلك لا يعفي السلطات من مسؤوليتها في اتخاذ إجراءات حازمة بحق من يعتدون على حرية الأديان. وشدد يونان على أن لكل إنسان الحق في ممارسة حرية الدين، مطالبًا باتخاذ خطوات حاسمة لأن البلاد “بلد تعدد الأديان وحرية المعتقد”، وحرية الأديان يجب أن تُصان لجميع أبنائها. وأضاف أن التحذير من تصاعد هذه الظاهرة قائم منذ فترة، وأن مراكز ومؤسسات عدة كتبت عنها، إلا أن عدم اتخاذ إجراءات ضد مرتكبيها أدى إلى ازدياد الاعتداءات، خاصة تلك التي تستهدف رجال الدين، مؤكدًا أن المطلوب هو تفعيل الإجراءات القانونية بحق كل من يعتدي على الآخرين، لأن حماية حرية الإنسان وكرامته حق إنساني وحق إلهي لا يجوز المساس به.

ويجمع التقرير والتعقيبات الكنسية على أن حجم الاعتداءات، وتكرار نمط البصق والتخريب والتحريض، يقابله ضعف في الاستجابة والردع، ما يترك فجوة بين التوثيق والملاحقة، ويطرح تحديات متزايدة أمام الحفاظ على قدسية المدينة وحرية العبادة في فضاء يفترض أن يكون مشتركًا وآمنًا لجميع المؤمنين.

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]