منذ أكثر من 30 عاماً، تلقّى الهولندي، ومحب التاريخ، ماكس أمير، معلومة بشأن تواجد طائرة من الحرب العالمية الثانية في مياه إندونيسيا.

المعلومة تلك قادت أمير إلى القيام برحلة استكشافية استمرّت لـ4 أشهر عبر الكثير من الجزر، واستشارة الصيادين المحليين على طول الطريق.

وخلال رحلته، برزت منطقة واحدة من بين مناطق أخرى، أي "راجا أمبات" بمقاطعة بابوا الغربيّة في إندونيسيا.

وتقع "راجا أمبات" في قلب منطقة مثلث المرجان، وتمتد شبكة "راجا أمبات" للمناطق البحرية المحمية لمساحة تزيد عن 4 ملايين هكتار، وتضم حوالي 1500 جزيرة.

ونظراً لتمتّعها بالتنوّع البيولوجي البحري الأكثر ثراءً على الكرة الأرضيّة، وموقعها البعيد الذي سمح لها بتفادي السياحة الجماعية، فإنه ليس من المستغرب أن يتم الترويج لـ"راجا أمبات" بصفتها "الجنة الأخيرة على وجه الأرض".

وتحتضن المنطقة أكثر من 1600 نوع من الأسماك، ويمكن العثور على 75% تقريبًا من أنواع الشعاب المرجانية المعروفة في العالم فيها.

وألهم حب أمير للجمال الطبيعي، والمجتمعات المحليّة، افتتاحه لمنتجع "كري إيكو دايف" (Kri Eco Dive) في عام 1994 بهدف تدريب الغواصين المحليين، وجلب الأشخاص إلى "عالم بكر من الأحياء المائية".

وتبع ذلك افتتاح منتجع في خليج "سورديو" القريب، مع تشغيل عقارين يتبعان لشركة "Ammer's Papua Diving".

من أكثر مشاريع الحفظ نجاحًا على وجه الأرض

ولم تُجسّد منطقة "راجا أمبات" قصة نجاح في مجال الحفظ دائمًا، ما يثبت أن التغيير الحقيقي ممكن من خلال اتباع النهج الصحيح.

ومنذ حوالي 20 عامًا، "كانت راجا أمبات في حالة تدهور بسبب الصيد التجاري غير المنظّم، والممارسات غير المستدامة"، بحسب ما ذكرته نائب الرئيس الأولى، والرئيسة التنفيذية لشركة "Konservasi Indonesia"، ميزاني إرمدياني.

وكمثال، استشهدت إرمدياني بإزالة زعانف أسماك القرش، والصيد الجائر للسلاحف.



وأكّدت إرمدياني: "كان من الضروري القيام بالكثير عبر الشراكة مع أصحاب المصلحة لتغيير هذا الوضع".

وفي عام 2004، أُضيفت "راجا أمبات" إلى مبادرة "Bird's Head Seascape" في غرب بابوا، وهو مشروع يهدف لإنشاء شبكة من المناطق البحريّة المحميّة بدعم من المحافظين الدوليّين، والسلطات المحليّة.

وذكرت إرمدياني أنه "منذ بدء المبادرة، انتعشت أعداد الأسماك، وانخفض الصيد الجائر من قبل الصيادين الخارجيين بحوالي 90%، وتعافت الشعاب المرجانية، وتحسّن الأمن الغذائي، وسُبُل العيش على المدى الطويل للمجتمعات المحليّة".

وشكّل تحفيز المجتمعات المحليّة عاملًا مهمًا لها حتى تُصبح نشطة في جهود الحفظ. مع هذا، توظّف الحدائق السكان المحليين لمراقبة المناطق، وحمايتها.

من مخيم لإزالة زعانف أسماك القرش إلى منتجع صديق للبيئة

وتُعد ماريت ماينرز المؤسسة المشاركة لمنتجع "ميسول" (Misool) البيئي الشهير، ومؤسسة "ميسول" أيضًا، من أفضل الأمثلة على أهمية إشراك المجتمعات المحلية لإنشاء منتجع مستدام من الناحية الماليّة والبيئيّة.

وبدأت علاقة ماينرز مع "راجا أمبات" كقصة حب. وأثناء سفرها إلى بانكوك في عام 2005، التقت ماينرز بزملائها المتحمسين للغوص، وزوجها المستقبلي، أندرو ماينرز. وفي موعدهم الغرامي الثالث، دعاها زوجها للغوص في "راجا أمبات".

وأكّدت ماينرز أن المنطقة "لم تكن مثل أي شيء اختبرته من قبل". فعلى الرغم من أن الشعاب المرجانية قبالة جزيرة "باتبيتيم"، حيث تقع "ميسول" الآن، كانت مذهلة، إلا أن ماينرز استغربت من عدم رؤيتها لسمكة قرش حيّة واحدة في الوجهة التي كانت مخيمًا لإزالة زعانف أسماك القرش في السابق.



بحسب "CNN"، كان لا يزال على التنوّع البيولوجي التعافي بعد أعوام من ممارسات الصيد التجاري.

وفي عام 2005، وبعد وقت قصير من الزيارة الأولى، قام الثنائي بإنشاء مؤسسة "ميسول"، ومنتجع "ميسول"، وكان الأخير وسيلة لدعم أعمال الحفظ من الناحية الماليّة.

ولاحقًا، تم التوصّل إلى اتفاق مع المجتمعات المحليّة لتحويل محمية "ميسول" البحرية إلى "منطقة غير مباحة للصيد"، ما يعني حظر جميع أنشطة الصيد داخل منطقة تبلغ مساحتها 300 ألف فدّان.

وفي تلك الأثناء، عادت الكائنات البحريّة إلى الموقع الذي احتضن ذات مرّة أسماك القرش النافقة في مياهه الضحلة، وأصبحت الحياة تحت الماء أكثر ثراءً، وجذبًا للغواصين.

وقالت ماينزر: "منذ عام 2007، زادت الكتلة الحيويّة للأسماك (في ميسول) بمعدّل 250%، وانتعشت أعداد أسماك القرش. وتَوفّر نظام بيئي صحي وحيوي ليعزز تجربة السيّاح، والسكان المحليين الذين يعتمدون على وِفرة الشعاب المرجانية كمصدر للرزق".

"تعلّم منا"






وبهدف الحصول على أفضل تجربة في "راجا أمبات"، قال مرشد الغوص المحلي في "Papua Diving"، لـCNN، لويس كابيس، إنه يجب على المسافرين أيضًا "زيارة قرية محليّة، وقضاء بعض الوقت في مدرسة محليّة".

وأضاف كابيس، الذي ينحدر من قرية "ساواندارك" بجزيرة "باتانتا"، أي إحدى الجزر الرئيسية في"راجا أمبات": "أخبرنا عن بلادك، وتعلّم منا، وشاركنا بوجبة".

ويشعر كابيس بالفخر لتحوّل "راجا أمبات" لمكانٍ أكثر شهرة، كما أنه يفتخر بكونه مرشدًا للغوص.

وبعد قضائه لـ 3 عقود في "راجا أمبات"، وزيارته لأكثر من 400 موقع لطائرات الحرب العالمية الثانية هناك، يوافق أمير على أن الأشخاص يُشكّلون عامل الجذب الأكبر.


وقال أمير: "يمكن التفاعل مع الأشخاص في أي مكان"، مضيفًا: "ربما ستقع في حبهم أيضًا، ولن ترغب أبدًا في العودة إلى المنزل مرّة أخرى".

 

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]