فجِعَ الوسط الثقافي والفني، برحيل الفنان التشكيلي الشاب محمد الجولاني، أحد أبرز أبناء جيله، والذي تميَّزَ بطريقته المُغايرة، ورؤيته العميقة في تقديمِهِ لمشاريعِه الفنية، ما دَفَعَ العديد من المُقَيّمين والفنانين إلى إطلاق لقب "فان جوخ فلسطين" عليه.

وما إن أُعْلِنَ عن نبأ وفاة الجولاني، الذي صرعهُ المرض الخبيث، ولم يمْهِلْهُ إلا شهوراً قليلةً، حتى اشْتَعَلَتْ وسائلُ التواصل الاجتماعي، وخاصةً "فيسبوك"، حزناً وأسفاً على خسارة فنانٍ مبدعٍ وواعدٍ.

وكتب الفنان خالد حوراني في صفحتِهِ على "فيسبوك": "وفاة الفنان والصديق والأخ العزيز محمد الجولاني، اليوم الجمعة، في مدينة القدس ، عند الثانية عشرة والنصف؛ بعد مرضٍ عُضالٍ لم يُمْهِلْهُ طويلاً، خبرٌ صادمٌ وحزينٌ.. رحيلٌ مفاجئٌ لعزيزٍ كبيرٍ ظَلَّ يشغلنا بِفَنِّهِ الصادق ومَرَحِ رُوحِهِ الذي بلا حدود..لأهله وأصدقائه ومحبّيه؛ وللفن والفنانين في فلسطين، كل العزاء في هذا المُصاب الجلل، إنَّهُ الفقدُ العزيزُ والخسارةُ الكبيرةُ للحياة التي لا تُعَوَّض.. وداعاً يا حبيب الروح، وداعاً يا محمد".

ونعاهُ الشاعر جاد عزت الغزّاوي، وكيل وزارة الثقافة، في منشورٍ لَهُ عبر صفحتِهِ الشخصية في "فيسبوك"، قائلاً: "الحبيب محمد الجولاني، إلى روحِكَ الرّحمة والسلام.. لقد أصبَحَتْ الألوانُ ناقصةً".

ومحمد الجولاني فنانٌ فلسطينيٌ حاصلٌ على شهادة الفنون الجميلة من جامعة القدس العام ٢٠٠٩، ويُكْمِلُ الدراسات العليا في الفنون المعاصرة في أكاديمية "بيساليل" في القدس، كما عَمِلَ محاضراً للفنون في جامعة القدس، ومُعَلِّماً للفنون في مدارس الفرندز، وكان قبلَ رَحيلِهِ يعملُ بشكلٍ مُسْتَقلٍ، ويُدَرِّبُ في أكثر من مؤسسةٍ ثقافية.

وتُصَوِّرُ لوحات الجولاني الصفاءَ والغضبَ والإحباطَ، فيما عَمَلُهُ يبدو كنتيجةٍ لمرحلةٍ متناميةٍ من الاستكشاف حيث يطرحُ أسئلةً أساسيةً تتواصل كأسئلة الهويّة والفضاء والحريّة، على سبيل المثال لا الحصر.

وكان الجولاني قد حصل على إقامةٍ فنيّةٍ في باريس العام 2018، وشارَكَ في برنامج ( Insight of China) في ذات العام، وشارك في بينالي الفنانين الشباب في ألبانيا 2017، وفي العام 2016 حصل على المرتبة الثانية في جائزة إسماعيل شموط، وكان قد حصل على جائزة التعليم العالي العام 2007.

وخرج الجولاني، المولود في العام 1983، بمشروعٍ فنّيٍ يُحاكي جائحة "كورنا"، بدعمٍ من المركز الثقافي الفرنسي في القدس، ويشتَمِل على ثلاث لوحاتٍ، أُولاها صورةٌ شخصيةٌ يرتدي فيها الكمامة بينما تعْصِبُ عينه اليسرى بشاشٍ طبيٍّ وكأنها أُصيبَتْ برصاصٍ احتلاليّ. فيما تُظْهِرُ اللوحةُ الثانيةُ انعكاسَ صورتِهِ في المرآة بينما كان يرسُمُ الأولى، بينما كانت اللوحةُ الثالثةُ تُحاكي السابقَتَين حيث يرسُمُ نفسَهُ وهو يرسُمُ انعكاسَ صورتِهِ في المرآة.

وكان معرض الجولاني الأخير بمثابة محاولةٍ لاستكشاف فكرة عزل الدول والمدن والأفراد، وتشبيهها بأن أحداً ما يرسُمُ دوائرَ من حولنا، هو الذي قال عنه: "إنها تجربةٌ استثنائيةٌ.. الوقت الذي يستَمِرُّ في الطيران على الرغم من الانقطاع القسري، وعلى الرغم من ثبات المكان، ثمَّةَ مساحةٌ ضيقةٌ تتَّسِعُ لاستيعاب العمل الدائم والمستمر، بضعة أشهرٍ مكثفةٍ كما لو كانت محاكاةً مع سيف ديموقليس فوق الرأس!

ويبدو هنا أنه كان قد أدرك أن المرض الذي بدأ يتملَّكُهُ منذ أشهُر يكاد يفتك فيه، وكأنه يرثي نفسه رسماً، خاصةً إذا ما عرفنا أن "سيف ديموقليس" قصةٌ مرتبطةٌ بالملك المستبد ديونيسوس الثاني الذي حكم سراقوسة في القرن الرابع قبل الميلاد، والذي جَلَبَ له استبدادُهُ أعداءً كُثُر ما جَعَلَهُ شديدَ الحذر والخوف على حياته، فصار ينام في غرفةٍ محاطةٍ بخندقٍ، فيما أحاط نفسه بمجموعةٍ من المتملقين، ومنهم ديموقليس الذي كان يكيلُ للملك المديح ويتغنّى بسعادته ورخاء حياته، فما كان من الملك إلا أن عرض على ديموقليس أن يُجَرِّبَ حياتَهُ هذه بنفسه، وعندما بدأ الأخير يستمتع بالترف والبذخ، لاحظ أن الملك علَّقَ فوق رأسِهِ سيفاً حادّاً يتدلّى من السقف مُعَلَّقاً بشعرة حصان واحدة، فتملّك ديموقليس شعورٌ قاتلٌ بالخوف، ولم يَعُدْ قادراً على الاستمتاع بشيءٍ، فهرع إلى الملك وطلب إعفاءَهُ من هذه التجربة.