في مكتبها وسط مدينة رام الله، تجلس الفلسطينية ربيحة ذياب التي شغلت لخمس سنوات وزيرة لشؤون المرأة وترأس حاليا اتحاد لجان المرأة للعمل الاجتماعي، تتحدث عن عمل دؤوب ومتواصل منذ عقود لتطوير وتمكين المرأة الفلسطينية في الضفة الغربية بما فيها القدس وقطاع غزة، عمل متواصل رغم منغصات الاحتلال، وكذلك مساع للضغط على السلطة الفلسطينية في الوقت الراهن من أجل تمكين المرأة وحصولها على حقوقها.

عمل ذيب وصل إلى مختلف أرجاء العالم حتى حصلت على جائزة عالمية تسمى جائزة "المرأة القيادية المميزة على مستوى العالم"، وجرى تكريمها في الهند وتقول إن هذا التكريم له دلالات ومعاني كبيرة، حيث ان تكريم امرأة فلسطينية على مستوى العالم، هو تكريم للنساء الفلسطينيات دون استثناء، وتكريم لنضالاتهن وعملهن الدؤوب نحو الحرية والاستقلال من جهة، وقيامهن بدورهن الاجتماعي من جانب آخر.

مؤكدة ان هذه الجائزة هي تتويج للعطاء الذي قدمناه لجهودنا ونقطة انطلاق جديدة لنستكمل مشوارنا الطويل.

وحول تكريمها السابق في دبي قالت ذياب "خلال تواجدنا في دبي بالإمارات العربية المتحدة في مؤتمر قيادات المرأة العربية لتكريمنا كقياديات عربيات، وصلتنا دعوة من الهند فتوجهنا الى هناك حيث جرى التكريم في مؤتمر حضره حشد غفير من اعضاء سياسيين واعضاء البرلمانات ورؤساء مؤسسات وجامعات".

واعتبرت ذياب ان التكريم يبين اهمية القضية الفلسطينية ويضعها على الاجندة العالمية في مختلف المحافل الدولية. مؤكدة ان نجاح اي امرأة هو نجاح للمرأة بشكل عام.

ولدت ربيحة ذياب مناضلة، بكفة يدها الخشنة غرست الشجاعة وأبت أن يموت داخلها النابض بالحرية، ورفضت التخلي عن أرضها وشعبها وحلمها الأبي. اعتبرت نفسها جذعاً صامداً من جذوع الأشجار الصلبة في أرض والدها، هي ربيحة ذياب وزيرة شؤون المرأة الفلسطينية، والأسيرة السابقة، والقائدة الميدانية للانتفاضة الأولى في الضفة، صنعت تجربتها النضالية ضد الوجود الإسرائيلي ما تفخر به كل امرأة فلسطينية رضعت ملحمة تلو أخرى، وأرضعت شهيداً تلو آخر. حاورت كل محطات تجمهر الحجارة التائهة التي تبحث عن بناء سقف ليحمي ابن فلسطين.

أسيرة سابقة وقائدة ميدانية

ربيحة ذياب زيرة شؤون المرأة السابقة ورئيسة اتحاد لجان المرأة للعمل الاجتماعي، سامرت السجون الإسرائيلية حيث اعتقلت لأول مرة في عام 1968 إثر تظاهرها، واعتقلت مرة أخرى في يوليو عام 1976 حيث حكم عليها بالسجن 3 سنوات، مرة أخرى اعتقلت في 15.08.1981 وحكم عليها بالسجن لمدة 5 سنوات، قضت منهم 4 سنوات، وبعد ذلك عاشت بكل حواسها تفاصيل الانتفاضة الأولى حيث اعتقلت على خلفية الأحداث 4 مرات وتلك كانت مجرد تحقيقات، وبعدها خضعت للإقامة الجبرية مرتين وكل مرّة كانت مدة 6 شهور. خُتمت هوية المناضلة ربيحة ذياب بـ7 أختام إسرائيلية ومن هنا تبدأ مشقتها حيث لا نهاية.

تبادلت ذياب زنزانة كبت الحرية مع زوجها، فكانت العلاقة عكسية تماماً، عند اعتقال المناضلة ربيحة، يتم الإفراج عن زوجها.. وعندما يُعتقل الزوج.. يتم الإفراج عنها، ولم تقف الأحداث عند تبادل الزنزانات، إنما تعرضت المناضلة الفلسطينية آنذاك لتهديداتٍ تسحق الأمومة، حيث قال لها أحد الضباط آنذاك: "سنسلب منك طفلتك لنعطيها للمستوطنين"، وهذا كجزء من الضغط الممارس على المناضلين الفلسطينيين حينها. وتذكر ذياب انها اعتقلت مرتين خلال حملها، ومرتين خلال إرضاع طفلتها.

فدائية ذاكرتها تأبى الموت

لا زالت الدبابات والمجنزرات الزيّ الرسمي لقوات الجيش الإسرائيلي جزءً من ذاكرتها التي تأبى النسيان، فتقول ذياب: "لا زلت أرى أمامي الدبابات وقوات الجيش والمجنزرات تمر من أمام منزلي".

وأعلنت ربيحة ذياب في حينها ان تكون فدائية لأول مرّة، بعد أن قرأت كتابات جميلة ابو حيرد المناضلة الجزائرية التي أفرج عنها بعد ان تدخلت الحركات الإنسانية لتعرقل قرار إعدامها. لم تشبع من تأثرها بها الاّ بعد أن قررت أن تكون فدائية. درست ذياب في الأكاديمية موضوع علم الاجتماع والخدمة الاجتماعية والذي يحصل طلابه على اللقب في السنة الثالثة، الاّ أن المناضلة الفلسطينية حصلت على اللقب بعد 25 عاماً، كما ودرست التاريخ في العاصمة بيروت.

ولم تكتفِ المناضلة ذياب في النضال الميداني، الا انها استمرت في نضالها الوزاري حيث تم تعيينها وزيرة لشؤون المرأة الفلسطينية في مدينة رام الله، لتقود الوعي النسائي والنضال الفلسطيني الأنثوي من خلال إرادتها الصامدة وحلمها الجارف باستعادة أحلام الصبا.

المرأة مجتمع كامل التفاصيل

وتقول ربيحة ذياب عن المرأة الفلسطينية انها المجتمع بأكمله. فالمرأة درع فتاك لا يقوى عليه سلاح آخر، جدير بالنضال والعناد والمقاومة، عزيمة قوية وصامدة ليست كأي امرأة، للمرأة الفلسطينية دور مهم في استمرارية النضال الفلسطيني والدفاع عن الذاكرة التي تأبى أن تموت. رغم المنفى والشتات.

المرأة الفلسطينية زرعت في ابنائها حب فلسطيني عميق، فعرفوها عن ظهر قلب، حتى بولادتهم في الشتات. هذا بفضل المرأة الفلسطينية التي حافظت على منزلها، أبناءها، اسرتها. حتى لو استشهد زوجها أو غاب، أو اعتقل حتى في ربيع عمرها، فهي الدرع الواقي لكيانها وكيان اسرتها ومنزلها.

المرأة الفلسطينية حافظت على التواصل الثقافي والبناء الأسري للعائلة الفلسطينية وللمجتمع الفلسطيني، وهنا تكمن أهمية المرأة الفلسطينية ودورها في المجتمع الفلسطيني، علماً بأنها اقتحمت بجدارتها وذكاءها وارادتها القوية مجالات متعددة في المجتمع الفلسطيني، حيث فرض عليها النضال دوراً أساسياً في بناء المؤسسات، في صنع القرار الفلسطيني، فلم تعد المرأة الفلسطينية عنواناً لتقديم الخدمات، وهذا الانقلاب او التحول الإيجابي وصلت له المرأة خلال الحديث حول انشاء الدولة الفلسطينية.

حق المرأة الفلسطينية وتشكيل أطر نسوية

وتضيف ذياب:" إذا لم تأخذ المرأة الفلسطينية حقها في القيادة الآن، فلن تأخذ حقها لاحقاً وستعود مرة أخرى من حيث أتت". وبالتالي حققت الكثيرات من النساء الفلسطينيات هدف القيادة وتحملن المسؤولية، وكنَّ الرائدات والسباقات حتى في تشغيل المناصب السياسية، سن وتشريع القوانين.

وتحدثنا ربيحة ذياب عن الأطر النسوية:" تنوعت النشاطات النسائية في المجتمع الفلسطيني قبل إنشاء السلطة، إضافة الى النشاطات السياسية النسوية في الأحزاب فمن هنا كان لا بد من تشكيل أطر نسائية تستوعب النشاطات النسائية". كان للأطر النسوية دوراً مهماً خلال الاحتلال، ولها استمرارية إيجابية وقيادية في الانتفاضة، علماً ان الانتفاضة طالت الجميع، فكان للمرأة دوراً متوجاً بالفعالية، فأعطت المرأة مجتمعها الفلسطيني بكل ما لديها من طاقة حيث انها أذهلت العالم، ووازنت بالتالي الكفين الاجتماعي والسياسي، فلم تبخل على الاستشهاد، الاعتقال، التعذيب في سبيل فلسطينها.

وتفتخر ذياب كونها فلسطينية وتقول:" كمرأة فلسطينية أفتخر بأنه على مدار مئة عام لا تزال تحافظ المرأة الفلسطينية على نفسها، فلم تبع نفسها في أنحاء العالم لتملأ الفراغ الذي يحيطها، الفلسطينية قادرة على السيطرة على بيئتها بكل حواسها وقواها. قدست حرمة منزلها بعد استشهاد زوجها وحافظت على أسرتها بأسنانها وقلبها! وهذا ما لا نجده عند المرأة في مجتمعات أخرى! هذه الحقيقة يجب ان تلقن تلقيناً لأبنائنا ليفخروا بالمرأة الفلسطينية.

تبني توعية الرجل والمرأة

ربيحة ذياب تتبنى توعية المرأة والرجل على حد سواء، ليتعادلوا بالتالي في المستوى الثقافي. وتؤكد ذياب أن وتيرة تغيير النمط الثقافي لدى النساء هو من العقبات الجدية التي تواجه الوزارة كحاضن لمشروع التوعية، حيث انه وبمرحلة ما ستقف امرأة ضد قانون يعمل لصالحها وذلك يعود لعدم تثقيفها، وهذه مسؤولية الوزارة، فالوزارة تطمح لبناء أرض متينة وخلق نقاش حضاري حول القانون وأهميته".

تعمل ذياب مع عدة جهات ووزارات من أجل خلق لغة مشتركة ثقافية وواعية، ومن هذا المنطلق وجود وزيرة تُعنى بشؤون المرأة هو غاية في الأهمية، لأن مجلس الوزراء يناقش تفاصيل قضايا الشعب الفلسطيني والمرأة جزء لا يتجزأ من هذه التفاصيل. كما وأن الوزارة تعمل على رفع نسبة النساء الفلسطينيات العاملات نسبةً لنسبة الأكاديميات في الجامعات، فبالتالي أقول وأؤكد ان المستقبل لنا نحن النساء، فنحن نمر في ثورة علمية غير طبيعية، والإثبات على ذلك أننا نرى اليوم نساء يتعلمن في الجامعات الى جانب بناتهن، أي ان من فاتها قطار التعليم في الماضي، صعدت لقطار يعوضها عما مضى.

المرأة والإعلام

وحول المرأة وتمثيلها في الإعلام تشدد ذياب:" ان من أهم القضايا التي من الممكن ان نركز عليها هي الأعلام والمرأة، وصورة المرأة في الإعلام، فنرى ان الإعلام كثيراً ما يقف الى جانب المرأة الى انه وفي بعض الأحيان وبطريقة عفوية يطرح قضيتها بصورة خاطئة مما يجعله يقف ضدها بكل المعاني".

وحول تفادي هذه الأخطاء وللحرص على المرأة في الإعلام، تقول:" نقوم بشكل عام بجمع وسائل الإعلام في الوزارات المختلفة، لتقديم الإرشادات والتدريبات، فالمرأة مركز قيادي اجتماعي، ثقافي وسياسي ويجب ان تقدم بصورتها النضالية الحقيقية".