تتواصل المناورات السياسية في أعقاب الانتخابات الإسرائيلية، وسط مساعٍ لتشكيل حكومة برئاسة غادي إيزنكوت، في وقت تبدو فيه المهمة معقدة بسبب الخلافات العميقة حول قانون التجنيد ومشاركة الأحزاب الحريدية في الائتلاف.

وبحسب تحليل نشرته صحيفة «معاريف» للصحافية آنا برسكي ، يواجه إيزنكوت مسارين أساسيين: تشكيل حكومة أقلية، أو إقامة ائتلاف يضم الأحزاب الحريدية، وفي مقدمتها شاس ويهدوت هتوراه. وفي المقابل، قد تدفع التطورات نتنياهو إلى التفكير في تنازلات لم يكن مستعدًا لبحثها سابقًا، إذا شعر بأن خسارة الحكم باتت قريبة.

الأحزاب الحريدية بين نتنياهو وإيزنكوت
تمنح إمكانية امتناع يهدوت هتوراه عن التصويت فرصة للحزب للضغط على نتنياهو، من دون الالتزام بالانضمام إلى حكومة برئاسة إيزنكوت، وتحسين شروطه أمام المعسكرين.

ويتمحور الخلاف حول قانون التجنيد، إذ يطالب الحزب بإقرار قانون قبل بدء المفاوضات الائتلافية، في إشارة إلى عدم ثقته بالاكتفاء بوعود سياسية جديدة. فهو يخشى أن يجد نفسه مجددًا أمام اتفاق ائتلافي لا يضمن حلًا فعليًا لقضية التجنيد.

أما رئيس حركة شاس، أرييه درعي، فعليه اتخاذ قرار صعب بشأن إمكانية الانفصال عن نتنياهو، وتفسير موقفه أمام ناخبيه، وإقناعهم بأن حكومة برئاسة إيزنكوت قد تكون قادرة على حماية مصالحهم بصورة أفضل.

قانون التجنيد العقبة الأساسية أمام تشكيل الحكومة
يبدو الجمع بين الأحزاب الحريدية ومعسكر سياسي تعهّد قادته بإقرار قانون تجنيد أكثر صرامة أمرًا بالغ الصعوبة، لكن يهدوت هتوراه لديها أسباب تدفعها إلى دراسة هذا الخيار، خصوصًا أن نتنياهو وعدها على مدار سنوات بإيجاد حل لقضية التجنيد من دون أن ينجح في ذلك.

ومن المحتمل أن تتمكن حكومة تضم إيزنكوت وليبرمان ويائير لبيد من تمرير تسوية تحظى بدعم سياسي وشعبي أوسع، حتى إن كانت أقل سخاءً تجاه الحريديم من مطالبهم الحالية.

لكن أي اتفاق لن يكون مضمونًا؛ فمضمونه ومدى توافقه مع متطلبات القانون سيحددان فرص صموده أمام المحكمة العليا. كما أن ليبرمان لم يلتزم حتى الآن بقبول مطالب الأحزاب الحريدية، رغم موافقته على فتح مفاوضات معها استنادًا إلى مخطط التجنيد الذي طرحه عام 2018.

وسيواجه نفتالي بينيت معضلة مشابهة، إذ إن تقديم تنازلات كبيرة للحريديم قد يضعه في مواجهة تعهداته الانتخابية، فيما قد يؤدي رفض التسوية إلى إفشال مساعي تشكيل الحكومة.

حكومة هشة قد تمنح نتنياهو فرصة للعودة
يحذّر التحليل من أن تشكيل حكومة لا تصمد سوى بضعة أشهر، بسبب خرق التزامات انتخابية وخلافات داخلية، قد يمنح نتنياهو انتصارًا كبيرًا في الانتخابات المقبلة.

ولذلك، قد يكون الفشل في تشكيل الحكومة أفضل لبعض الأطراف من إقامة ائتلاف هشّ لا يستطيع الاستمرار. وحتى لو نجح إيزنكوت في تشكيل حكومة بأغلبية 61 عضوًا بدعم الأحزاب الحريدية، فستبقى أمامها خلافات جوهرية بشأن التجنيد والدين والدولة والميزانية.

وقد يساعد امتناع الأحزاب العربية عن التصويت على إسقاط الحكومة في بقائها، لكن ذلك لن يحل الخلافات داخل الائتلاف. فقانون يرضي الحريديم قد يواجه معارضة ليبرمان، بينما قد يؤدي قانون يرضي ليبرمان إلى انسحاب الأحزاب الحريدية.
حكومة الوحدة تعود إلى الحسابات السياسية
في المقابل، تراجعت فرص تشكيل حكومة وحدة، لأن المعسكرين يعتقدان أن بإمكانهما تحقيق أهدافهما من دون تقديم تنازلات كبيرة.

فنتنياهو سيضطر، في حال التوصل إلى اتفاق، إلى التخلي عن بعض شركائه السياسيين وعن أجزاء من الخطوط الأساسية التي عرضها على ناخبيه. أما إيزنكوت، فسيكون مطالبًا بالجلوس في حكومة برئاسة الشخص الذي تعهّد بإزاحته عن الحكم.

وقد عكست المواجهة خلال المشاورات بين الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ وممثلي حزب الليكود حجم الهوة بين الطرفين؛ إذ طرح الرئيس مسألة الاستعداد للتخلي عن شخصيات متطرفة، فيما تحدث ممثلو الليكود عن الانضمام إلى الحكومة على أساس الخطوط السياسية التي يحددها الحزب.

تقدم إيزنكوت قد يدفع نتنياهو إلى التنازل
يرى التحليل أن نتنياهو يستطيع في المرحلة الحالية الانتظار ومراقبة الخلافات داخل معسكر التغيير، على أمل أن تؤدي التباينات بشأن قانون التجنيد والأحزاب الحريدية والموقف من الأحزاب العربية إلى إفشال محاولة تشكيل حكومة من دونه.

لكن أي تقدم ملموس في المفاوضات بين إيزنكوت وشاس ويهدوت هتوراه قد يغيّر حسابات نتنياهو، ويضعه أمام خيارين: تقديم تنازلات سياسية كبيرة في إطار حكومة وحدة، أو المخاطرة بفقدان الحكم.

وبحسب التحليل، كلما اقترب احتمال خسارة نتنياهو للسلطة، ارتفعت الكلفة السياسية لرفضه بحث خيار حكومة الوحدة. وهكذا، فإن المفاوضات التي تبدو حاليًا وكأنها تبعد هذا الخيار، قد تكون هي نفسها التي تعيده إلى طاولة البحث.

وفي نهاية المطاف، يتوقف نجاح إيزنكوت على قدرته على التوصل إلى تسوية بشأن قانون التجنيد بين أحزاب قطعت تعهدات متناقضة أمام ناخبيها؛ فالحريديم يريدون ضمانات فعلية، فيما يحتاج بينيت وليبرمان إلى التأكد من أن أي اتفاق لن يفرغ التزاماتهم الانتخابية من مضمونها.

أما الفشل، فقد يترك إيزنكوت أمام حقيقة أن شركاءه منحوه فرصة قيادة المعركة السياسية، لكنهم احتفظوا لأنفسهم بإمكانية التقدم إلى الواجهة في المحاولة المقبلة.

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]