بقلم: دان بيري

أود أن أهنئ المواطنين العرب في إسرائيل على مشاركتهم الواسعة في الانتخابات. إن نسبة تصويت تقترب من 80% تتجاوز بكثير ما كنت أجرؤ على توقعه. فعلى مدار سنوات، دعوت المواطنين العرب في إسرائيل إلى الخروج للتصويت، وممارسة قوتهم السياسية، والتوقف عن ترك مستقبلهم في أيدي الآخرين. واليوم، تحقق ذلك وبصورة لافتة.

كل من يؤمن داخل المجتمع اليهودي بالتعايش المشترك، وبديمقراطية فاعلة، وبالمساواة المدنية، بل وحتى بالأخوّة الحقيقية بين اليهود والعرب في هذه البلاد، كان ينتظر هذه اللحظة منذ سنوات طويلة. إنها لحظة فرح، ليس للجمهور العربي وحده، بل لحظة أمل لإسرائيل بأكملها.

أتفهم تمامًا خيبة الأمل الناجمة عن عدم مسارعة أحزاب المعارضة اليهودية إلى احتضان هذه النتيجة والإعلان عن استعدادها لتشكيل حكومة تستند إلى دعم الأحزاب العربية. فرغم الإنجاز الكبير الذي حققه الجمهور العربي، لا يزال من الممكن أن تنتهي الأمور بتشكيل حكومة وحدة مع بنيامين نتنياهو، أو بالذهاب إلى انتخابات جديدة.

 نجاح عربي وإخفاق يهودي في اختبار الانتخابات
والسبب في ذلك بسيط، وإن كان غير مريح: فبينما نجح المجتمع العربي إلى حد كبير في هذه الانتخابات، أخفق المجتمع اليهودي.

كان ينبغي أن يدفع حزب الليكود ثمنًا سياسيًا أكبر بكثير بسبب كارثة السابع من أكتوبر، ومحاولة تحويل إسرائيل إلى ديكتاتورية منتخبة، وثلاث سنوات من الحروب دون حسم واضح، إلى جانب الفساد والمراوغات السياسية لنتنياهو. إن استمرار استعداد شريحة كبيرة من الجمهور اليهودي لدعمه يعكس مشكلة عميقة داخل المجتمع اليهودي، وهو المجتمع الذي تقع عليه مسؤولية معالجتها.

لكنني أريد أن أقول للمواطنين العرب في إسرائيل: لا تيأسوا. لا تسمحوا لخيبة الأمل من تصرفات السياسيين اليهود بأن تمحو إنجازكم. بل على العكس، حان الوقت لترسيخ هذا الإنجاز وتحويله إلى تغيير تاريخي لا يمكن التراجع عنه.

الأحزاب العربية أمام فرصة تاريخية للتأثير
أولًا، على الأحزاب العربية أن توضح لغادي آيزنكوت، وبصورة لا تحتمل التأويل، أنها لن تكون العقبة أمام تشكيل حكومة جديدة. عليها أن تقول بوضوح: سنجعل الأمر سهلًا قدر الإمكان، وسنوصي بك أمام رئيس الدولة، وسندعم الحكومة في الكنيست، سواء من داخل الائتلاف أو من خارجه، ولن نضع شروطًا تجعل التعاون مستحيلًا. يجب وضع آيزنكوت وشركائه أمام واقع لا يملكون فيه أي ذريعة حقيقية لرفض الدعم العربي.

ثانيًا، وربما الأهم من كل ذلك: ممنوع العودة إلى الوراء. أبدًا.
إذا واصل الجمهور العربي التصويت بمثل هذه النسب المرتفعة، وإذا حافظ ممثلوه بصورة دائمة على سُدس مقاعد الكنيست، أو حتى خُمسها، فلن تستطيع المنظومة السياسية اليهودية الاستمرار في تجاهله. وستجد نفسها مضطرة للتكيف مع واقع سياسي جديد.

الصوت العربي قادر على تغيير المعادلة السياسية
قد يقود ذلك إلى تغييرات في النظام الانتخابي، وربما حتى إلى العودة إلى الانتخاب المباشر لرئيس الحكومة، حيث يمكن للصوت العربي أن يصبح حاسمًا بالنسبة إلى المعسكر الليبرالي. وربما يتغير اليمين الإسرائيلي أيضًا، ويدرك أنه إذا أراد الوصول إلى الحكم، فعليه أن يقدم شيئًا للمواطنين العرب، بدلًا من الاكتفاء بالتحريض ضدهم وإقصائهم.

لا أحد يستطيع معرفة الكيفية التي ستتطور بها السياسة الإسرائيلية. لكن أمرًا واحدًا أصبح واضحًا بالفعل: لقد أثبت الجمهور العربي أنه قوة سياسية لا يمكن تجاهلها.

وستكون المعارضة اليهودية أيضًا مطالبة بالتغيير. فالوعود بعدم الاعتماد على الأحزاب العربية، التي قُدمت بهدف طمأنة الناخبين اليهود في الوسط واليمين، يجب أن تختفي من السياسة الإسرائيلية. ففي المستقبل، لا يمكن لأي حزب يدّعي قيادة معسكر ديمقراطي وليبرالي أن يتعامل مع الممثلين المنتخبين لخُمس مواطني الدولة وكأنهم أشخاص منبوذون لا يجوز التعامل معهم.

الحفاظ على الإنجاز ومنع العودة إلى العزوف
وإذا انتهى بنا الأمر إلى انتخابات جديدة، فإنني آمل أن يكرر الجمهور العربي هذا الإنجاز. فلا يجوز أن تؤدي خيبة الأمل مجددًا إلى الانكفاء أو اللامبالاة أو الامتناع عن التصويت. هذه القوة تتشكل الآن، ويجب الحفاظ عليها.

لكن لدي طلبًا إضافيًا من الجمهور العربي، وخصوصًا من قياداته السياسية.

لكي ينجح هذا التغيير، لا بد من بذل جهد حقيقي لإقناع الجمهور اليهودي بأنه لا يوجد ما يدعو إلى الخوف من شراكة سياسية مع الأحزاب العربية. ينبغي التوقف عن أي تصريحات يمكن تفسيرها على أنها دعم لحركة حماس، أو تعبير عن تفهم للإرهاب، أو مواقف معادية لإسرائيل بصورة شاملة، وهي تصريحات تسهّل على اليمين تصوير السياسيين العرب كأعداء للدولة.

شراكة مدنية تقوم على المساواة والمسؤولية
يمكن بالتأكيد معارضة السيطرة الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية، والمطالبة بالمساواة الكاملة، وتوجيه انتقادات حادة إلى الحكومة الإسرائيلية، دون تقديم ذخيرة سياسية لأولئك الذين يسعون إلى نزع الشرعية عن المشاركة العربية في الحكم.

لقد أظهر منصور عباس بالفعل أنه من الممكن اعتماد خطاب مختلف: خطاب يقوم على الشراكة المدنية والمسؤولية والاستعداد للتأثير في الواقع من الداخل. وعلى الأحزاب العربية أن تتعلم من هذه التجربة، ليس من خلال التخلي عن هويتها أو مبادئها، وإنما عبر إظهار قدرتها أمام الجمهور اليهودي على أن تكون شريكًا موثوقًا في إدارة الدولة.

هذا هو الجزء من المهمة الذي لا يزال ملقى على عاتق المجتمع العربي. أما المهمة الملقاة على عاتق المجتمع اليهودي، فلا تقل أهمية: الاعتراف بأن المواطنين العرب ليسوا ضيوفًا في هذه الدولة، وأن أصواتهم لا تقل قيمة عن أصوات المواطنين اليهود.

رغم احتمالات خيبة الأمل.. المستقبل يحمل الأمل
لا أعرف أي حكومة ستتشكل في أعقاب هذه الانتخابات. وربما تحمل الأسابيع المقبلة خيبات أمل كبيرة، وربما يفوّت السياسيون اليهود مرة أخرى فرصة تاريخية. لكن في هذا اليوم تحديدًا، وبعد سنوات من اليأس، هناك سبب حقيقي للتفاؤل.

لقد أثبت المواطنون العرب في إسرائيل أنهم يريدون أن يكونوا جزءًا من صياغة مستقبل الدولة. وأثبتوا أنهم يدركون حجم قوتهم، وأنهم مستعدون لاستخدامها.

اليهود والعرب باقون هنا، ولا أحد منهم ذاهب إلى أي مكان. مستقبلنا مشترك، وما حدث في هذه الانتخابات ليس سوى بداية واعدة.

بداية واعدة لمستقبل مشترك
اليوم، يبدو المستقبل أفضل مما كان عليه بالأمس.

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]