عشية انتخابات الكنيست المقررة غدًا الثلاثاء، أعلن أصحاب مواقف مقاطعة امتدت سنوات أنهم سيشاركون في الاقتراع هذه المرة، فيما أبدى آخرون استعدادًا لإعادة النظر في موقفهم، انطلاقًا من تقديرهم لمخاطر استمرار الحكومة الحالية، ورغبتهم في استخدام التصويت وسيلة للحد منها.
وتتقاطع المنشورات التي عرضوا فيها أسباب مراجعاتهم عند الفصل بين المشاركة في هذه الانتخابات وبين التراجع عن اعتراضاتهم على المؤسسة الإسرائيلية. فهم لا يعبّرون عن ثقة بالأحزاب أو بالبدائل الحكومية المطروحة، وإنما يربطون قراراتهم بالحرب على الشعب الفلسطيني والقلق على مستقبل المجتمع العربي.
لكن هذا التقاطع لا يلغي اختلاف مساراتهم. فبينما أعلن أليف صباغ ووضاح قاسم وهزار حسين انتقالهم من المقاطعة إلى المشاركة، أبقى جوان صفدي قراره مفتوحًا رغم ميله إلى التصويت. أما حسون جابر، الذي اعتاد المشاركة، فحسم قراره بالتصويت بعد مراجعة دفعته إلى التفكير في المقاطعة.
صباغ: مشاركة محدودة بهدف إسقاط الحكومة
ومن موقع المقاطعة المستمرة منذ نحو ثلاثة عقود، أعلن الناشط والمحلل السياسي أليف صباغ أنه سيشارك في الانتخابات، مع تمسكه باعتراضه المبدئي على الكنيست، الذي يرى أنه شرّع قوانين وسياسات استهدفت الشعب الفلسطيني.
ويفسّر صباغ انتقاله إلى المشاركة بضرورة استخدام الأدوات المتاحة لمواجهة المخاطر، دون التخلي عن بناء أدوات نضال مستقلة أو الاعتماد الدائم على العمل البرلماني. وحدّد هدفه بإسقاط الحكومة الحالية، رابطًا ذلك بمخاوفه من استمرار الإبادة والتهجير، وتوسيع الاستيطان في الجليل والنقب، وهدم المنازل والقرى العربية، والدفع نحو إعدام الأسرى الفلسطينيين.
ويرتبط هذا القرار، في طرحه، بتعثر بناء البديل أيضًا. فقد أشار إلى أن محاولات سابقة لإقامة إطار وطني يقود النضال في ساحات متعددة لم تنجح في تحقيق الوعود التي سبقت الجولات الانتخابية.
ولذلك، قرن إعلانه المشاركة بمطالبة الأحزاب العربية بمراجعة حصر نشاطها في الكنيست، وحذّر من تقديم تنازلات وطنية مقابل مكاسب شخصية أو حزبية، ومن تخوين المتمسكين بالمقاطعة.
وهذا الفصل بين الموقف المبدئي والقرار المرتبط بالمرحلة حاضر كذلك في منشور الناشط وضاح قاسم، الذي أعلن أنه سيصوّت للقائمة المشتركة، مع احتفاظه بقناعته بأن المقاطعة موقف أخلاقي ومبدئي.
فقاسم لا يعزو مشاركته إلى اقتناع بالانتخابات، بل إلى شعوره بأن المجتمع يمر بحالة ضرورة واستثناء. ويربط ذلك بما يتعرض له الفلسطينيون في غزة والضفة الغربية ومخيمات اللجوء، وبالرغبة في إسقاط حكومة نتنياهو وبن غفير وسموتريتش.
ومن هذا المنطلق، يرى في المشاركة محاولة لمنح المجتمع قدرة على مواصلة الصمود، مع إدراكه أن إسقاط الحكومة لا يضمن أن تكون الحكومة التالية أفضل.
صفدي: ميل إلى التصويت دون قرار نهائي
وإذا كان صباغ وقاسم قد حسما قرارهما، فإن الناشط جوان صفدي ما زال يناقش الخيار، معلنًا أنه يفكر جديًا في التصويت للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، بعدما اقترع مرة واحدة قبل أكثر من ثلاثين عامًا.
وينطلق تردده من سؤال عن جدوى المقاطعة في الظروف الحالية، بعدما تغير الواقع، وفي ظل غياب بدائل يراها قادرة على التأثير. ويقول إنه لم يعد مقتنعًا بأن امتناعه عن التصويت سيحقق أثرًا أكبر من مشاركته.
وتدخل في هذه المراجعة مناشدات قال إنه تلقاها من فلسطينيين في الضفة وغزة ومن أسرى، تدعوه إلى التصويت لإسقاط الحكومة، إلى جانب مخاوفه من السياسات التي يطرحها سموتريتش وبن غفير تجاه الضفة والنقب والجليل.
ومع أنه لا يرى في التصويت ضمانة للحل، ولا يستبعد أن تكون الحكومة المقبلة سيئة، فإنه يعتبر احتمال تخفيف بعض السياسات أو إبطائها سببًا يدفعه إلى التفكير في المشاركة، دون إعلان قرار نهائي.
أما الناشطة هزار حسين، فقد انتقلت من التردد إلى حسم خيارها، معلنة أنها ستصوّت بعد سنوات من المقاطعة القائمة على موقف أيديولوجي، مع احتفاظها بالأسئلة والاعتراضات التي أسست لذلك الموقف.
وتلتقي حسين مع المواقف السابقة في تحديد سقف توقعاتها، إذ لا ترى في ورقة الاقتراع وعدًا بالخلاص أو مشروعًا للتحرر، وإنما وسيلة ضمن مساحة محدودة للتأثير. وتؤكد أن استخدامها لا يلغي العمل السياسي خارج البرلمان، ولا ينتقص من احترامها لمن يصل إلى قرار مختلف.
جابر: التصويت رغم الاعتراضات
وفي مقابل الانتقال من المقاطعة إلى المشاركة، يعرض الناشط حسون جابر مسارًا بدأ من الاعتياد على التصويت، ثم مرّ بالتشكيك في جدواه بعد الحرب التي أعقبت السابع من أكتوبر، قبل أن ينتهي إلى قرار المشاركة مجددًا.
وخلال هذه المراجعة، وجّه جابر انتقادات إلى أداء الأحزاب العربية، وجدوى العمل البرلماني، ومواقف القوى المطروحة بديلًا للحكومة، وضعف تمثيل النساء في القوائم العربية. كما عبّر عن قناعته بأن المقاطعة، حين تكون قرارًا شعبيًا جماعيًا، يمكن أن تؤسس لمشروع وطني آخر.
لكن ما رجّح التصويت لديه هو تقديره بإمكان حدوث تحسن في أوضاع الفلسطينيين في الضفة والأسرى، ورغبته في دعم التوجه نحو المشاركة ووحدة الصف. ومع ذلك، لم يُخفِ أنه ما زال غير مقتنع تمامًا بقراره.
ومن هنا، ختم بالدعوة إلى احترام الخيارين، رافضًا اعتبار المصوّت أكثر وطنية من المقاطع أو المقاطع أكثر إيمانًا من المصوّت، في موقف يلتقي مع تحذير صباغ من تخوين المقاطعين، وتأكيد حسين احترام أصحاب القرار المختلف.
وتكشف هذه المنشورات، على اختلاف أصحابها ومساراتهم، عن مراجعات فردية تحركها الرغبة في مواجهة مخاطر المرحلة، مع استمرار الاعتراض على المؤسسة والخلاف حول جدوى التأثير من داخلها. وهي لا تكفي للحكم على اتجاه المقاطعين عمومًا، لكنها تُظهر أن بعضهم بات ينظر إلى التصويت باعتباره خيارًا لهذه الجولة، مع التمسك بالحاجة إلى عمل سياسي خارج الكنيست.
[email protected]
أضف تعليق