منذ طفولتها في قرية دير حنا، عرفت نور عباس ما الذي تريد أن تفعله. كانت تجمع إخوتها، تجلسهم في ما تتخيله حافلة، توزع عليهم التذاكر ثم تأخذ مكان السائقة. بعد سنوات، لم يبق المشهد مجرد لعبة طفولية، إذ تحولت نور، البالغة من العمر 32 عامًا والأم لطفلين، إلى سائقة حافلات ثم إلى سائقة شاحنات ثقيلة، في مهنة ما زال حضور النساء العربيات فيها نادرًا ويثير الاستغراب.
بداية الطريق، قيادة حافلة
وفي حديثها لموقع بكرا، تقول نور إن رغبتها في قيادة الحافلات رافقتها منذ الصغر، لكنها اصطدمت مبكرًا برفض والدتها عايدة عباس، التي لم تكن ترى في الأمر مسألة قدرات بقدر ما كانت تخشى على ابنتها من طبيعة العمل والطريق. في سن العشرين اصطحبت نور والدتها إلى طبريا بهدف التسجيل لتعلم قيادة الحافلة، لكنها فوجئت بأنها لم تبلغ السن المطلوبة آنذاك. وفي طريق العودة دار نقاش حاد بينهما، حتى طلبت منها والدتها أن تنزلها من السيارة وتعود بالحافلة، فردت نور مازحة: "شايفة ليش الباص مهم؟".
لم تتخل نور عن الفكرة. بعد زواجها وإنجاب طفليها يوسف ومريم، عادت إلى الحلم، وحصلت في السادسة والعشرين على رخصة قيادة الحافلة وبدأت العمل في شركة "سوبر بوس" على خطوط خارج البلدات العربية، بينها الناصرة والعفولة ومنطقة عارة وعرعرة. وتوضح في حديثها لبكرا أن ردود الفعل تجاهها تراوحت بين الاستغراب والتشجيع، خصوصًا أنها امرأة عربية محجبة تقود حافلة عامة، لكنها لم تتعرض خلال سنوات عملها لاعتداءات مرتبطة بكونها امرأة أو عربية، باستثناء موقف مهني واحد لم تعتبره مرتبطًا بهويتها.
انواع مختلفة من الشحن
بعد الحافلات، واصلت نور توسيع نطاق رخصها المهنية، وتعلمت قيادة أنواع مختلفة من مركبات الشحن، حتى أصبحت مؤهلة لقيادة مركبات ثقيلة بدرجات مختلفة. هذا العام بدأت العمل سائقة شاحنة في شركة يهودية، لكنها غادرتها بسبب ساعات العمل المتأخرة التي لم تتناسب مع مسؤولياتها كأم. لاحقًا سمعت عن شركة في إكسال تبحث عن سائقي شاحنات، فتوجهت إلى مديرها أمير شهوان، الذي تقول إنه فوجئ في البداية بفكرة أن امرأة عربية ستقود شاحنة كبيرة محملة بالبضائع، لكنه منحها الفرصة التي كانت تبحث عنها.
اليوم تقود نور شاحنتها يوميًا بين الموانئ ومواقع التحميل ومناطق مختلفة في البلاد، من الشمال إلى النقب. وتقول لبكرا إن أكثر ما يلفت الانتباه هو نظرات الناس عندما تنزل من مقطورة الشاحنة أو تصل إلى موقع تحميل، إذ لا يزال كثيرون يتعاملون مع المشهد باعتباره غير مألوف. وفي إحدى المرات، عبّر عامل في موقع تحميل عن دهشته لأنها امرأة، ولأنها عربية ومتدينة أيضًا، وهي ردود اعتادت نور مواجهتها من دون أن تسمح لها بالتأثير في ثقتها بنفسها.
قيادة الشاحنة، كما تشرح نور، تختلف جذريًا عن قيادة السيارة الخاصة. فالسائق لا يتعامل فقط مع مركبة أكبر، بل مع طول ووزن وحمولة تغير طريقة الدخول إلى المنعطفات وحساب المسافات. في الالتفاف يمينًا أو يسارًا، لا تسلك العجلات الخلفية المسار نفسه الذي تسلكه العجلات الأمامية، لذلك يحتاج السائق إلى توسيع زاوية الالتفاف ومراقبة المرايا باستمرار حتى لا يصطدم الجزء الخلفي من الشاحنة بالرصيف أو بالمركبات المحيطة. هذه التفاصيل، إلى جانب التحكم بسرعة المركبة ومسافة التوقف وتثبيت الحمولة، تجعل القيادة المهنية قائمة على التدريب والخبرة والانتباه أكثر من اعتمادها على القوة الجسدية.
وتشير نور إلى أن تثبيت الحمولة كان من أكثر الجوانب التي احتاجت إلى تعلم عملي متواصل، لأن الحمولة غير المثبتة جيدًا قد تتحرك أثناء الفرملة أو المنعطفات وتؤثر في توازن المركبة. وتقول إن بعض عمليات الربط لا تزال تتطلب جهدًا، لكنها تعلمت أداءها بنفسها، وترى أن هذه التفاصيل تحديدًا تفند الفكرة الشائعة بأن المرأة لا تستطيع التعامل مع العمل الثقيل.
الوالدة: بغضب عليكي
أصعب مواجهة خاضتها نور لم تكن مع الشاحنة، بل مع خوف والدتها. وفي حديثها لبكرا تستعيد تلك المرحلة قائلة: "أمي قالت لي بغضب عليك إذا بتطلعي بتشتغلي عليها. شهر كامل وأنا أبكي وأترجاها". وتصر نور على أن بكاءها لم يكن نابعًا من ضعف أو تردد، بل من حرصها على ألا تحقق حلمها في مواجهة أهلها، مضيفة: "أنا مش كنت أبكي ضعف. كنت أبكي لأني بديش أمي تغضب علي. بديش أعمل إشي معارض لأهلي، لأبوي ولأمي. بدي أروح وأنا أهلي راضيين عني".
لاحقًا تغير موقف العائلة. تقول نور إن والدتها وإخوتها باتوا من أكثر الداعمين لها، وإن أحد إخوتها يطلب منها أحيانًا أن تدخل بالشاحنة إلى الحي وأن توقفها قرب البيت. أما أهل بلدتها، فتصف استقبالهم لها بأنه مصدر فرح يومي، إذ يطلق بعض السائقين أبواق سياراتهم عندما يشاهدونها تقود الشاحنة في شوارع دير حنا.
من جهتها، تقول عايدة عباس، والدة نور وأم لعشرة أبناء، في حديثها لموقع بكرا، إن اعتراضها منذ البداية كان نابعًا من الخوف على ابنتها لا من التشكيك في قدراتها. وتصف نور اليوم بأنها "سيدة الإصرار والعزيمة"، بعدما رأت قدرتها على تحمل مسؤولية الطريق والمركبة والعمل، وتحول قلقها إلى دعم وثقة.
مرأة؟! ليس مبررًا للإقصاء
نور لا تنكر وجود فروق جسدية بين الرجال والنساء، لكنها ترفض تحويلها إلى مبرر لإقصاء النساء عن المهن المهنية. وتقول: "أكيد الرجل عنده قوة والمرأة عندها قوة ثانية، بس ما في إشي اسمه صعب. لو أنا شفت إني مش قادرة، من أول درس ما كنت كملت". بالنسبة إليها، النجاح في قيادة الشاحنات لا يُقاس بالقوة وحدها، وإنما بالمعرفة والانضباط والقدرة على التحكم بالمركبة وفهم الحمولة واتخاذ القرار الصحيح على الطريق.
وحين تُسأل حتى اليوم عن السبب الذي دفعها إلى اختيار هذا العمل، تجيب ببساطة: "أنا بحبه. نفس اللي جابك على شغلك جابني على شغلي". وتقول إن الكلام المحبط الذي سمعته خلال سنواتها لم يدفعها إلى التراجع، بل جعلها أكثر تمسكًا بما تريد.
أما رسالتها للنساء، فتقول لموقع بكرا إنها تنطلق من تجربتها نفسها: ألا تجعلن نظرة المجتمع تحدد قدراتهن قبل أن يجربن. وتقول: "لما أنت عارفة حالك من جوا، وعارفة شو بتقدري تقدمي وشو بتقدري تعطي، لا تطلعي على الناس ولا على المجتمع". وتضيف أنها لا تؤمن بكلمة "مستحيل"، وتردد لنفسها عندما تواجه طريقًا ضيقًا أو مناورة صعبة خلف المقود: "أنا قدها، وأنا بقدر".
بالنسبة لنور عباس، المسألة لم تعد فقط قصة امرأة دخلت مجالًا يهيمن عليه الرجال. قصتها تكشف كيف يمكن لحلم قديم، حين يقترن بالتدريب والإصرار والدعم، أن يتحول إلى مهنة كاملة ومسار حياة. وكلما أدارت محرك الشاحنة وانطلقت إلى رحلة جديدة، تعود تلك الطفلة التي كانت توزع التذاكر على إخوتها، لكن هذه المرة خلف مقود حقيقي وعلى طريق حقيقي.
[email protected]
أضف تعليق