كشف كتاب جديد عن قضية الغواصات الإسرائيلية أن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو وافق، وفق رواية الكتاب، على بيع غواصات ألمانية متقدمة إلى مصر، ثم عملت أجهزة إسرائيلية، وبينها الموساد، على مواجهة الصفقة من دون أن تكون مطلعة على موافقته السابقة.

ويستند الكتاب، الذي يحمل اسم «فساد في الأعماق» للمحامي إليعاد شَرجا، رئيس الحركة من أجل جودة الحكم، إلى شهادات ووثائق تتعلق بقضية الغواصات والسفن الحربية. ووفق ما أورده تقرير نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت»، فإن هذه التطورات كانت من بين المعلومات التي عُرضت خلال لقاء جمع رئيس الحكومة السابق نفتالي بينيت ورئيس الموساد السابق تمير باردو عام 2021.

اجتماع سري مع نفتالي بينيت

وبحسب الرواية التي يقدمها شَرجا في الكتاب، كان بينيت في سبتمبر 2021 مترددًا بشأن تشكيل لجنة تحقيق رسمية في قضية الغواصات والسفن الحربية.

وخلال اجتماع في مكتب رئيس الحكومة، تحدث عدد من كبار المسؤولين الأمنيين السابقين عن القضية، ومن بينهم رئيس الأركان السابق دان هارئيل ورئيس الموساد السابق تمير باردو.

ووفق الكتاب، جرى لقاء منفرد بين بينيت وباردو، نقل خلاله رئيس الموساد السابق معلومات مصنفة بدرجة عالية بشأن الموافقة على بيع غواصات لمصر، وما وصفه شَرجا بأنه تم بعيدًا عن الأجهزة الأمنية الإسرائيلية، بما فيها الموساد.

وبحسب الشهادات التي أوردها الكتاب، أدت هذه المحادثة إلى تغيير موقف بينيت من تشكيل لجنة التحقيق، إذ قرر عدم معارضة إقامتها.

لجنة التحقيق وجهت تحذيرًا شديدًا لنتنياهو

وكانت لجنة التحقيق الرسمية في قضية الغواصات والسفن الحربية، برئاسة القاضي المتقاعد أشير غرونيس، قد أصدرت في يونيو 2024 رسائل تحذير إلى خمسة مسؤولين، بينهم بنيامين نتنياهو.

وخلصت اللجنة، في نتائجها المرحلية، إلى أن سلوك نتنياهو في القضايا التي بحثتها أدى، بحسب صياغتها، إلى «خلل عميق ومنهجي في إجراءات العمل وبناء القوة» وإلى المساس بآليات اتخاذ القرارات في قضايا حساسة، وذكرت أن ذلك عرّض أمن الدولة للخطر وأضر بعلاقاتها الخارجية ومصالحها الاقتصادية.

وأكدت اللجنة أن النتائج الواردة في رسائل التحذير هي نتائج أولية، وأن الأشخاص الذين وجهت إليهم الرسائل أُتيح لهم تقديم ردودهم وشهاداتهم قبل بلورة النتائج النهائية.

الموافقة على الغواصات المصرية

ويتركز أحد المحاور الرئيسية في القضية على موافقة إسرائيل على بيع غواصات ألمانية لمصر، في وقت كانت فيه المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تتعامل مع الصفقة باعتبارها قضية استراتيجية حساسة.

وبحسب ما أوردته لجنة التحقيق، اتخذ نتنياهو قرارات في مسائل سياسية وأمنية حساسة مرتبطة ببيع الغواصات لطرف ثالث، من دون فحص منهجي كافٍ، ومن دون إشراك جميع الجهات الأمنية ذات الصلة، كما لم تُوثق بعض اللقاءات والمداولات بالشكل المطلوب، ما أدى إلى إنشاء قنوات عمل متوازية ومتعارضة.

تضارب بين الحكومة والأجهزة الأمنية

ووفق المادة التي يستند إليها الكتاب، استمرت أجهزة ومؤسسات إسرائيلية في التعامل مع ألمانيا على أساس أن إسرائيل تعارض بيع الغواصات لمصر، بينما كانت هناك في القنوات السياسية العليا موافقة إسرائيلية على الصفقة.

ويصف الكتاب هذه الحالة بأنها أدت إلى إرسال مسؤولين إسرائيليين إلى برلين لمحاولة منع صفقة كانت، بحسب الرواية الواردة فيه، قد حصلت مسبقًا على موافقة رئيس الحكومة.

كما يورد شهادات لمسؤولين سابقين قالوا إنهم لم يكونوا على علم بالاتصالات التي جرت بين نتنياهو والقيادة الألمانية بشأن الصفقة.

الموساد دخل على خط القضية

ومن أكثر النقاط حساسية في الرواية الجديدة، ما يتعلق بدور الموساد.

وبحسب شَرجا، فقد طُلب من رئيس الموساد السابق تمير باردو التعامل مع موضوع الغواصات المصرية، في وقت لم يكن مطلعًا على موافقة نتنياهو السابقة على الصفقة.

ويقول شَرجا، استنادًا إلى إفادة باردو، إن إخفاء هذه المعلومات عن رئيس الموساد كان من شأنه أن يدفع الجهاز إلى تنفيذ تحركات وعمليات مرتبطة بملف حساس من دون معرفة الصورة السياسية الكاملة.

ويؤكد التقرير أن هذه النقطة، كما يعرضها الكتاب، تبقى ضمن الروايات والشهادات التي تحتاج إلى تقييم في إطار إجراءات لجنة التحقيق، وليست حكمًا قضائيًا نهائيًا.

أربع غواصات لمصر

وفق المعطيات الواردة في التقرير، وقعت مصر وألمانيا صفقة الغواصتين الأوليين في 2011، وتسلمت مصر أول غواصتين في 2016، بينما جرى لاحقًا الاتفاق على غواصتين إضافيتين، ليصل العدد إلى أربع غواصات ألمانية جديدة لدى البحرية المصرية خلال العقد التالي.

وتشير التقارير إلى أن الغواصات المصرية من طراز مختلف عن الغواصات الإسرائيلية الأحدث، لكنها تمتلك قدرات قتالية تشمل أنابيب طوربيد وصواريخ بحر-بحر وقدرات إضافية مرتبطة بالعمليات البحرية.

الخلاف لم يكن حول الغواصات فقط

وترى لجنة التحقيق أن قضية الغواصات والسفن الحربية لم تكن مجرد مسألة شراء معدات عسكرية، بل كشفت، وفق نتائجها، عن مشاكل في آليات اتخاذ القرار والتنسيق بين المستوى السياسي والمؤسسة الأمنية.

وكانت اللجنة قد أشارت إلى قضايا أخرى شملها التحقيق، من بينها شراء الغواصة السادسة لإسرائيل، وصفقة سفن «ساعر 6»، وآليات التعامل مع صفقة الغواصات المصرية، إلى جانب طريقة عمل المجلس الأمني القومي وعلاقته بوزارة الدفاع.

تحذيرات اللجنة لا تزال أولية

ومن المهم أن لجنة التحقيق لم تصدر، عند نشر رسائل التحذير، حكمًا نهائيًا بحق نتنياهو أو المسؤولين الآخرين الذين تلقوا رسائل مماثلة، بل أوضحت أن الرسائل تهدف إلى منحهم فرصة للرد قبل اتخاذ القرارات النهائية.

وكان مكتب نتنياهو قد رد على نتائج اللجنة في 2024 بأن الغواصات تمثل عنصرًا أساسيًا في الأمن القومي الإسرائيلي، وأن قرارات شراء الغواصات والسفن لم تضر بأمن الدولة، بل تخدمه، معتبرًا أن التاريخ سيُثبت صحة قرارات رئيس الحكومة.

«قضية الغواصات» تعود إلى الواجهة

ويعيد الكتاب الجديد قضية الغواصات إلى الواجهة، ليس فقط من زاوية صفقات التسليح مع ألمانيا ومصر، وإنما أيضًا من زاوية أوسع تتعلق بآليات اتخاذ القرارات الأمنية، وحدود صلاحيات رئيس الحكومة، ومدى اطلاع الأجهزة الأمنية والوزارات المختصة على القرارات الاستراتيجية.

وتبقى بعض الادعاءات التي كشف عنها الكتاب جزءًا من شهادات وروايات محل فحص، في حين أن لجنة التحقيق الرسمية سبق أن وثقت بالفعل وجود إخفاقات وخلل في عمليات اتخاذ القرار في عدد من الملفات التي بحثتها.

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]