يحيي الأميركيون، اليوم الجمعة، الذكرى الخامسة والعشرين لهجمات الحادي عشر من سبتمبر، التي نفذها تنظيم القاعدة عام 2001 باستخدام أربع طائرات مدنية، استهدفت اثنتان منها برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك، فيما اصطدمت الثالثة بمبنى وزارة الدفاع في واشنطن، وتحطمت الرابعة في ولاية بنسلفانيا، بعدما تصدى ركابها للخاطفين.

وأوقعت الهجمات نحو ثلاثة آلاف قتيل، لكنها لم تتوقف عند حدود ذلك اليوم، بل شكّلت نقطة تحول تاريخية أعادت رسم ملامح السياسة الأميركية والأمن العالمي، ودفعت الولايات المتحدة إلى خوض حروب طويلة في أفغانستان والعراق، قبل أن تمتد تداعياتها إلى مناطق واسعة من الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا.

يوم غيّر مسار التاريخ

بعد مرور ربع قرن، لا تزال أحداث 11 سبتمبر حاضرة بقوة في الذاكرة الأميركية، فيما يستمر الجدل بشأن وثائق وسجلات سرية لم تُنشر كاملة، في وقت أعادت فيه الهجمات تشكيل تفاصيل الحياة اليومية، من إجراءات التفتيش في المطارات إلى قوانين المراقبة والأمن الداخلي، وصولًا إلى السياسة الخارجية والحروب التي خاضتها واشنطن تحت عنوان مكافحة الإرهاب.

وبعد الهجمات بوقت قصير، اتجهت الولايات المتحدة إلى توحيد عدد من الأجهزة الفيدرالية وتعزيز صلاحيات المراقبة والتحقيق، فيما أُنشئت إدارة أمن النقل، وتشددت إجراءات السفر الجوي، وأصبحت عمليات تفتيش الأمتعة وخلع الأحذية وإجراءات التعرف على المسافرين جزءًا من الحياة اليومية.

دقائق صنعت المأساة

بدأت أحداث ذلك الصباح منذ الساعات الأولى، عندما تمكن خاطفون من تجاوز الإجراءات الأمنية والصعود إلى أربع طائرات مدنية.

أقلعت الرحلة رقم 11 التابعة لشركة أميركية من بوسطن في الساعة السابعة وخمس دقائق صباحًا، متجهة إلى لوس أنجلوس، وعلى متنها عشرات الركاب وأفراد الطاقم وخمسة خاطفين.

وبعدها أقلعت الرحلة رقم 175 التابعة لشركة طيران أميركية أخرى من بوسطن في الساعة الثامنة والربع صباحًا، متجهة أيضًا إلى لوس أنجلوس.

وفي الساعة الثامنة وعشرين دقيقة صباحًا، أقلعت الرحلة رقم 77 من واشنطن، فيما أقلعت الرحلة رقم 93 من مطار نيوارك في ولاية نيوجيرسي عند الساعة الثامنة واثنتين وأربعين دقيقة صباحًا، متجهة إلى سان فرانسيسكو.

وعند الساعة الثامنة وست وأربعين دقيقة، اصطدمت الرحلة 11 بالبرج الشمالي لمركز التجارة العالمي في نيويورك، في مشهد شاهده الملايين حول العالم عبر شاشات التلفزيون.

وبعد دقائق، وتحديدًا عند الساعة التاسعة وثلاث دقائق، اصطدمت الرحلة 175 بالبرج الجنوبي، لتتضح الصورة أمام العالم بأن الولايات المتحدة تواجه هجومًا منسقًا واسع النطاق.

البيت الأبيض تحت وقع الصدمة

كان الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش حينها داخل مدرسة في ولاية فلوريدا، عندما أبلغه كبير موظفي البيت الأبيض أندرو كارد بالهجوم الثاني.

ولاحقًا، قال بوش إنه قرر عدم مغادرة الصف فورًا حتى لا يثير الذعر بين الأطفال، مؤكدًا أن أول ما ينبغي على القائد فعله في مثل هذه الظروف هو الحفاظ على الهدوء.

لكن الأحداث تصاعدت سريعًا، ففي الساعة التاسعة وسبع وثلاثين دقيقة اصطدمت الرحلة 77 بمبنى وزارة الدفاع الأميركية.

وبعد ذلك بوقت قصير، انهار البرج الجنوبي لمركز التجارة العالمي عند الساعة التاسعة وتسع وخمسين دقيقة، ثم انهار البرج الشمالي عند الساعة العاشرة وثمان وعشرين دقيقة.

أما الرحلة 93، فقد تحطمت في الساعة العاشرة ودقيقتين فوق منطقة ريفية قرب شانكسفيل في ولاية بنسلفانيا، بعدما حاول ركابها السيطرة على الخاطفين. ولا يزال الهدف النهائي للطائرة موضع ترجيحات تاريخية، إذ يُعتقد أنها كانت متجهة نحو أحد المباني الحكومية الرئيسية في واشنطن.

من صدمة الهجمات إلى «الحرب على الإرهاب»

لم تنظر إدارة بوش إلى الهجمات باعتبارها عملية إرهابية منفردة، بل أعلنت بداية مرحلة جديدة من الحرب على الإرهاب.

وفي خطابه مساء 11 سبتمبر، أكد بوش أن الولايات المتحدة لن تميز بين منفذي الهجمات ومن يوفر لهم الملاذ والدعم، في إشارة إلى أفغانستان وحركة طالبان التي كانت تؤوي زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن.

وبعد أسابيع، بدأت الولايات المتحدة عملية عسكرية في أفغانستان، وأطاحت بحكم طالبان الأول، لكن الحرب استمرت نحو عقدين.

وفي مطلع عام 2002، طرح بوش في خطاب حالة الاتحاد مفهوم «محور الشر»، واضعًا العراق وإيران وكوريا الشمالية ضمن الدول التي اعتبرها تهديدًا للأمن الأميركي والعالمي.

العراق يفتح جبهة جديدة

في عام 2003، انتقلت واشنطن إلى جبهة جديدة عندما غزت العراق وأسقطت نظام الرئيس صدام حسين.

وبحسب مشروع «تكلفة الحرب» التابع لجامعة براون، أدت الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق إلى مقتل مئات آلاف الأشخاص بصورة مباشرة، فيما ارتفع العدد الإجمالي للضحايا، بما في ذلك الوفيات غير المباشرة، إلى ملايين الأشخاص.

كما ارتفعت كلفة الحروب الأميركية بصورة هائلة، وأصبح معتقل غوانتانامو أحد أبرز رموز مرحلة ما بعد 11 سبتمبر، بعدما احتُجز فيه مئات الأشخاص في إطار الحرب الأميركية على الإرهاب.

تداعيات تجاوزت ساحات القتال

لم تقتصر آثار الهجمات على السياسة الخارجية الأميركية. فقد شهد المجتمع الأميركي ارتفاعًا كبيرًا في المشاعر الوطنية، بالتزامن مع موجة من العداء للمسلمين والإسلاموفوبيا واعتداءات استهدفت مسلمين في مناطق مختلفة من الولايات المتحدة وخارجها.

كما أدت الهجمات إلى تغييرات عميقة في مفهوم الأمن الأميركي، ووسعت صلاحيات أجهزة الدولة في المراقبة والتحقيق، وأعادت رسم العلاقة بين الأمن والحريات المدنية.

وبمرور السنوات، تحولت ذكرى 11 سبتمبر إلى محطة سنوية يستعيد فيها الأميركيون لحظة بلحظة تفاصيل ذلك اليوم، الذي يعتبره كثيرون بداية مرحلة تاريخية جديدة للولايات المتحدة.

من أفغانستان والعراق إلى إيران

ورغم مرور 25 عامًا، لم تنتهِ تداعيات السياسة التي بدأت بعد الهجمات.

فالحرب على الإرهاب امتدت إلى ساحات متعددة، فيما توسع الصراع الأميركي الإيراني على مدى السنوات التالية، وتداخل مع أزمات العراق وسوريا ولبنان واليمن، ومع تنامي نفوذ الجماعات المسلحة المرتبطة بإيران في المنطقة.

كما استخدمت إسرائيل لاحقًا هجمات السابع من أكتوبر 2023 في مقارنتها بهجمات 11 سبتمبر، لتبرير حربها الواسعة على حركة حماس، قبل أن يمتد الصراع إلى جبهات أخرى في المنطقة.

حرب إيران.. امتداد لصراع عمره ربع قرن

على مدى السنوات التي أعقبت 11 سبتمبر، فشل الرؤساء الأميركيون المتعاقبون في إنهاء حالة العداء مع إيران أو احتواء نفوذها الإقليمي، رغم اختلاف الأدوات والسياسات بين إدارة وأخرى.

ومع وصول دونالد ترمب إلى ولايته الثانية، تصاعد التركيز الأميركي على البرنامج النووي الإيراني والصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، إلى جانب الدعم الإيراني لحلفائه في المنطقة.

ومن هذا المنظور، يرى البعض أن الحرب الأميركية مع إيران التي بدأت في نهاية فبراير 2026 تمثل امتدادًا لمسار استراتيجي بدأ بعد هجمات 11 سبتمبر، عندما أعادت واشنطن تعريف خصومها ومصادر التهديد، وربطت مكافحة الإرهاب بأمنها القومي وسياستها الخارجية.

وبعد ربع قرن، تبدو حصيلة 11 سبتمبر أكبر بكثير من يوم دموي سقط فيه نحو ثلاثة آلاف شخص؛ فقد كان ذلك اليوم نقطة انطلاق لعصر جديد في السياسة الأميركية، غيّر مفهوم الأمن والحرب، وأعاد تشكيل الشرق الأوسط، وترك آثارًا سياسية وعسكرية واجتماعية لا تزال حاضرة حتى اليوم.

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]