في منتصف أيار/مايو 2023، لم تكن تلك الليلة مختلفة عن غيرها في قرية عربية صغيرة شمالي البلاد. دقائق قليلة كانت كافية لتحوّل جريمة قتل راح ضحيتها أحد أبناء القرية إلى شرارة لجولة جديدة من الثأر والانتقام، بعد مقتل شاب آخر يُرمز إليه بالحرف (ج). لكن ما حدث بعد إطلاق الرصاص لم يبقَ محصورًا في الشوارع أو بين العائلتين.
فخلال ساعات، انتقلت المواجهة إلى فضاء آخر أكثر اتساعًا وأسرع انتشارًا٫ دون رقيب او حسيب٫ تطبيق "تيك توك".
هناك، لم يعد السلاح وحده وسيلة لتبادل الرسائل. ظهرت مقاطع مصورة تحمل عبارات تهديد ووعيد، وصور للقتلى، وأغانٍ تمجّد الانتقام، لتتحول المنصة إلى مساحة رقمية يعاد فيها إنتاج خطاب الثأر أمام عشرات الآلاف من المستخدمين، بينهم أطفال ومراهقون.
في أحد المقاطع، يظهر جدار إسمنتي كُتبت عليه عبارة "نام ومرتاح يا زعيم... ثارك وصلك بـ20 واحد"، إلى جانب صورة القتيل، بينما ترافق المشهد أغنية تحمل كلمات تمجّد الانتقام والثأر. لم يكن الفيديو مجرد توثيق لحدث وقع، بل رسالة موجهة للطرف الآخر، ورسالة أوسع لكل من يشاهدها، تُقدَّم فيها الجريمة بوصفها فعلًا يستحق الاحتفاء والتداول.
هذا المشهد ليس حالة معزولة. ففي السنوات الأخيرة، تحولت منصة "تيك توك"، التي يتجاوز عدد مستخدميها مليار مستخدم حول العالم، من مساحة للترفيه والفيديوهات القصيرة إلى منصة تنتشر عليها، في بعض الحالات، مقاطع تستعرض الأسلحة، والسيارات الفارهة، والأموال، والأقنعة السوداء، وأغانٍ ارتبطت بأسماء منخرطة في عالم الجريمة أو تمجّد القوة والهيمنة٫ وتحديدا في الداخل الفلسطيني.
ولا يحاول هذا التحقيق إثبات أن "تيك توك" هو سبب الجريمة، فالعوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، والنفسية تبقى المحرك الأساسي للعنف. لكنه يسعى للإجابة عن سؤال مختلف، فهل أصبحت المنصة تساهم في تطبيع صورة الجريمة والعنف، عبر إعادة إنتاج رموزها ومنحها مساحة واسعة للانتشار، بما يجعلها أكثر اعتيادًا في وعي الشباب؟
للإجابة عن هذا السؤال، اعتمد التحقيق على مقابلات مع مستخدمين شباب للمنصة، وأخصائيين نفسيين، وباحثين في علم الإجرام، وخبراء في الإعلام الرقمي والأمان الرقمي، إلى جانب تحليل عدد من الفيديوهات التي حققت عشرات آلاف المشاهدات وتحمل مضامين مرتبطة بالعنف والثأر واستعراض القوة.
هل تيك توك منصة ترفيه... أم ساحة يعاد فيها إنتاج العنف؟
بالنسبة لغالبية الشباب الفلسطينيين الذين تحدث إليهم التحقيق، يبدأ استخدام "تيك توك" بهدف الترفيه أو تمضية الوقت. إلا أن ما يظهر على الشاشة لا يبقى دائمًا ضمن هذا الإطار. فمع مرور الوقت، تتسلل إلى صفحاتهم مقاطع توثق إطلاق نار، ومشاجرات، واستعراضًا للأسلحة، ورسائل تهديد وثأر، حتى بالنسبة لمن لا يبحث عنها أصلًا.
يقضي مستخدمو المنصة الذين قابلهم التحقيق ما بين ساعة وخمس ساعات يوميًا على "تيك توك". ورغم اختلاف اهتماماتهم، من الرياضة والمحتوى الترفيهي إلى الخيل العربية والمقاطع الكوميدية، فإنهم جميعًا تقريبًا أكدوا أنهم يصادفون محتوى عنيفًا خلال تصفحهم اليومي.
يقول أحمد (اسم مستعار)، الذي قد يقضي أحيانًا أربع أو خمس ساعات يوميًا على التطبيق عند الشعور بالملل، إنه يتابع في الأساس مقاطع عن الخيل العربية، إلا أن خوارزمية المنصة تعرض عليه أحيانًا فيديوهات توثق حوادث إطلاق نار أو مشاهد عنف وقعت في بلدات قريبة.
"شاهدت مؤخرًا مقطعًا يوثق إطلاق نار في إحدى القرى القريبة، وشعرت بالتوتر والخوف. هذه الفيديوهات لا تبقى عالقة في ذهني طويلًا، لكنها تمنح أحيانًا أصحابها صورة توحي بالقوة، خاصة عندما تتضمن استعراضًا للسلاح."
أما حسين، الذي يستخدم التطبيق يوميًا لمدة تتراوح بين ساعة وساعتين، فيقول إنه يفضّل المحتوى الرياضي والكوميدي، لكنه يصادف باستمرار مقاطع لمشاجرات أو استعراضات قوة، بعضها يبدو تمثيليًا، بينما يعكس بعضها الآخر نزاعات حقيقية في مجتمعنا.
ويضيف، "سمعت عن حالات بدأت بخلافات عبر تيك توك، سواء من خلال التعليقات أو الردود، ثم تطورت إلى مشاكل على أرض الواقع، الامر مخيف ولا مكان للاستهتار به."
ويشير أمير (اسم مستعار) إلى أن ظهور هذا النوع من المقاطع يزداد خلال فترات التوتر الأمني أو بعد وقوع جرائم قتل في المنطقة، موضحًا أنه شاهد أكثر من مرة مقاطع تتناول نزاعات أو عمليات إطلاق نار في بلدات قريبة، قبل أن تتحول إلى حديث الناس خارج المنصة أيضًا.
أما آدم، فيرى أن أكثر المقاطع انتشارًا على "تيك توك" ليست بالضرورة الأكثر أهمية، بل تلك التي تعتمد على الصدمة والإثارة، وهو ما يجعل المحتوى المرتبط بالعنف أكثر قدرة على جذب الانتباه وتحقيق نسب مشاهدة مرتفعة.
ورغم هذا التعرض المتكرر للمحتوى العنيف، فإن معظم من قابلهم التحقيق نفوا أن يكون لذلك تأثير مباشر عليهم شخصيًا. لكن اللافت أن الإجابات حملت تناقضًا متكررًا، فبينما يؤكدون أنهم لا يقلدون ما يشاهدونه، يعتقدون في الوقت نفسه أن غيرهم قد يتأثر به.
يقول أحمد على سبيل المثال انه، "لم أشعر يومًا برغبة في تقليد ما أشاهده." بينما يضيف غسان٫ ويقول غسان، "قد يقلد بعض الشباب أسلوب الكلام أو طريقة الاستعراض، لكن غالبًا دون الوصول إلى سلوكيات خطيرة."
أما أمير، فيقر بأنه قد يستلهم أحيانًا بعض أساليب التصوير أو الإخراج، لكنه لا يرى نفسه منجذبًا إلى المحتوى العنيف.
على عكس الاخرين٫ يقول الشاب علي من سكان منطقة المركز ان نشر المقاطع التي تحمل رسائل قوة وتهديد كانت لها تأثيرا واضحا عليه، أدت الى تورطه في اعتقال على خلفية جنائية.
كان على يتصفح "التيك توك" ساعات طويلة، هو وأصدقاء له٫ يجلسون في جماعة ومن ثم يستهلكون المقطع تلو الاخر، وغالبيتها بسبب الخوارزميات، تقترح عليهم مقاطع تمجد القوة، او مقاطع لعناصر في المنظمات الاجرامية، وهكذا بدا أصدقاء علي يتأثرون بالمحتوى، ونشر مقاطع تقليد المحتوى العنيف.
في منتصف العام 2023 نشر صديق علي صورة جماعية للمجموعة، قام علي بمشاركة الصورة على حسابه في "التيكتوك" ومن ثم ارفاق اغنية لمغني معروف في اغانيه للمنظمات الاجرامية والمحتوى العنيف. لم ينتبه على او على حد قوله انه، "يوجد صديق في الصورة يحمل سلاحا، لم انتبه الى السلاح الذي كان مشوها نوعا ما".
بعد نشر الصورة، قامت الشرطة ضمن حملة لتتبع الأسلحة في المجتمع العربي باعتقال علي وكل من كان في الصورة واقتيادهم الى التحقيق، "اقتادوني الى التحقيق وانا لا اعرف لماذا، حين وصلت الي محطة الشرطة، وعند التحقيق الأول ادركت ما هي القضية، الصورة التي فيها سلاح على تيكتوك"
سُئل علي عن السلاح، وعن الشخص الذي كان يحمل السلاح، وأراد محققو الشرطة ان يشير علي على الشخص باسمه لكنه رفض، "هددوني في التحقيق اذا لم اتحدث بما يريدون سوف ابقى رهن الاعتقال الى فترة طويلة٫ ولكني رفضت ذلك".
في نهاية المطاف افرج عن علي بشروط مقيدة٫ وسبب له هذا الاعتقال الى تدهور في العلاقة بينه وبين والديه وأصدقائه، "هذا الخطأ كاد ان يكلفني كثيرا٫ أرى الكثير من الشباب من جيلي يهوون تقليد هذا المحتوى لأننا نريد ان نشعر بهذا الشعور، القوة، الهيبة".
ولكن بالعودة الى المقابلات٫ التي غلب عليها طابع عدم التأثر بالمحتوى. هذا التناقض لا يثير استغراب المختصين. ففي علم النفس تُعرف هذه الظاهرة باسم "انحياز التأثير الثالث"، إذ يميل الأفراد إلى الاعتقاد بأن وسائل الإعلام تؤثر في الآخرين أكثر مما تؤثر فيهم شخصيًا. ويرى الباحثون أن هذا الإدراك قد يحجب عن الفرد ملاحظة التأثيرات التراكمية التي تتركها المشاهدة المتكررة للمحتوى العنيف، حتى وإن لم تتحول مباشرة إلى سلوك.
يشاهدون العنف... لكن هل يبقى بلا أثر؟
إذا كان معظم الشباب الذين قابلهم التحقيق يؤكدون أنهم لا يتأثرون بما يشاهدونه، فكيف يفسر المختصون هذا التناقض؟ وهل يكفي أن ينفي المستخدم تأثره حتى يكون بمنأى عن تأثير المحتوى الذي يتكرر أمامه يومًا بعد يوم؟
ترى رنا شهاب، الأخصائية النفسية، أن الإجابة أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه، إذ إن تأثير المحتوى الرقمي لا يحدث بصورة مباشرة أو متطرفة، وإنما يتراكم تدريجيًا مع تكرار التعرض له، خاصة لدى الأطفال والمراهقين الذين ما زالوا في مرحلة بناء شخصياتهم وقيمهم.
وتوضح أن التأثير لا يكون واحدًا لدى الجميع. "بعض الأشخاص قد يفقدون تدريجيًا حساسيتهم تجاه مشاهد العنف، بينما قد يعاني آخرون من إرهاق عاطفي أو خوف مستمر. لكن التأثير التراكمي هو الأخطر، لأنه لا يغير السلوك مباشرة، بل يعيد تشكيل طريقة النظر إلى الأشياء."
وتضيف أن التعرض المستمر لمقاطع تستعرض السلاح أو التهديد أو الهيمنة قد يغيّر دلالات هذه الرموز مع مرور الوقت. "عندما تتكرر أمام المراهق صور السلاح أو الأقنعة أو السلوك العدواني بوصفها رموزًا للقوة والهيبة والانتماء، فإنها قد تتحول تدريجيًا إلى صور مألوفة، وربما مرغوبة لدى بعض الفئات."
ويلفت التحقيق إلى مفارقة لافتة في شهادات الشباب أنفسهم. فغالبيتهم تقريبًا نفوا تأثرهم الشخصي بالمحتوى الذي يشاهدونه، لكنهم اعتقدوا في الوقت ذاته أن "الآخرين" أكثر عرضة للتأثر به.
ويقول أحمد، "لم أشعر يومًا برغبة في تقليد ما أشاهده." بينما يرى غسان أن بعض الشباب قد يقلدون أسلوب الكلام أو طريقة الاستعراض دون أن يصلوا إلى ارتكاب أفعال خطيرة، في حين يقول أمير إنه قد يستوحي أحيانًا أساليب التصوير والإخراج، لكنه لا ينجذب إلى المحتوى العنيف نفسه.
وتشير شهاب إلى أن هذا النمط من الإجابات معروف في علم النفس، ويُعرف باسم "انحياز التأثير الثالث"، حيث يميل الأفراد إلى الاعتقاد بأن وسائل الإعلام تؤثر في الآخرين أكثر مما تؤثر فيهم.
وتوضح أن هذا الاعتقاد لا يعني غياب التأثير، بل قد يجعل الشخص أقل قدرة على ملاحظته. "ليست المشكلة في مشاهدة فيديو واحد، وإنما في مئات المقاطع التي تُشاهد مع مرور الوقت. عندها قد تتغير الحدود بين ما هو صادم وما هو مألوف، وبين ما يُرفض اجتماعيًا وما يصبح اعتياديًا."
وتؤكد أن الخطر الحقيقي يبدأ عندما ينتقل المحتوى من مجرد مشاهد متكررة إلى مرجع يبني عليه المراهق تصوراته عن القوة والنجاح والانتماء، خاصة في البيئات التي تعاني أصلًا من انتشار العنف أو ضعف الشعور بالأمان.
وتكشف شهاب أن بعض الحالات التي تصل إلى العيادات النفسية ترتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بهذا الواقع. "استقبلنا شبابًا يعانون من قلق شديد أو نوبات هلع بعد تعرضهم لضغوط من مجموعات إجرامية أو بعد انخراطهم في أحداث عنف. صحيح أن تيك توك لم يُنشأ لهذا الغرض، لكنه أصبح في بعض الحالات أداة تستخدمها مجموعات إجرامية لإظهار النفوذ أو توجيه رسائل ترهيب إلى خصومها."
كيف تدفع المنصة المحتوى العنيف إلى الانتشار؟
لا يحتاج مستخدم "تيك توك" إلى البحث عن مقاطع تتضمن إطلاق نار أو استعراض أسلحة أو رسائل تهديد حتى تظهر أمامه. فبحسب خبراء الإعلام الرقمي، تعتمد المنصة على خوارزمية ترصد سلوك المستخدم، وتمنحه باستمرار محتوى مشابهًا لذلك الذي نجح في جذب انتباهه أو أبقاه مدة أطول أمام الشاشة، بغض النظر عن طبيعة هذا المحتوى أو قيمته.
ويقول أنس، الخبير في الإعلام الرقمي، إن ما يميز "تيك توك" عن كثير من منصات التواصل الأخرى هو أن انتشاره يعتمد أساسًا على المحتوى نفسه، وليس على عدد المتابعين أو العلاقات الاجتماعية. "أي فيديو قادر على إثارة الفضول أو الصدمة أو الانفعال يمكن أن يصل إلى عشرات أو مئات آلاف المستخدمين، حتى لو نُشر من حساب غير معروف. الخوارزمية تكافئ المحتوى الذي يجذب الانتباه ويُبقي المستخدم داخل التطبيق لأطول فترة ممكنة."
ويضيف أن المنصات الرقمية أصبحت بيئة تتنافس فيها المقاطع على خطف انتباه المستخدم خلال ثوانٍ معدودة، وهو ما يمنح المحتوى المثير، بما في ذلك المحتوى المرتبط بالعنف أو استعراض القوة، فرصة أكبر للانتشار مقارنة بالمحتوى التقليدي.
وتتفق مع ذلك ديمة أسعد، الناشطة في مجال الأمان الرقمي، التي ترى أن خوارزمية "تيك توك" قد تدفع المستخدم إلى مشاهدة المزيد من المقاطع المتشابهة حتى لو لم يكن يبحث عنها أصلًا. "آليات الضبط على المنصة ما زالت محدودة، بينما يبقى الهدف الأساسي للشركات الرقمية هو زيادة التفاعل والمشاهدات. لذلك قد يجد المستخدم نفسه ينتقل من فيديو إلى آخر يحمل الرسائل أو الرموز نفسها، دون أن يكون قد اختار ذلك بشكل مباشر."
وتشير أسعد إلى أن المشكلة لا ترتبط بالخوارزمية وحدها، بل أيضًا بضعف قدرة المنصة على فهم السياق المحلي. "هناك رموز أو عبارات قد تبدو عادية لأنظمة المراجعة الآلية، لكنها تحمل في السياق العربي رسائل تهديد أو تحريض أو تمجيد للعنف. لذلك تبرز الحاجة إلى فرق مراجعة تفهم اللغة والثقافة المحلية، وليس الكلمات المجردة فقط."
غير أن السؤال لا يتوقف عند سبب انتشار هذه المقاطع، بل يمتد إلى طبيعة الرسائل التي تحملها. وللإجابة عنه، حلّل التحقيق عددًا من الفيديوهات التي حققت عشرات الآلاف من المشاهدات لكل مقطع، وجمعتها عناصر بصرية متكررة، من بينها الأقنعة، والملابس السوداء، والأسلحة، والدراجات النارية، والأغاني المرتبطة بالقوة والثأر، وهي عناصر لا تبدو عشوائية، بل تعيد إنتاج صورة محددة للقوة والهيبة في الفضاء الرقمي.
رموز تتكرر
يكشف تحليل أربعة مقاطع فيديو واسعة الانتشار على منصة "تيك توك" أن المحتوى لا يقتصر على توثيق مشاهد عنف أو استعراض أسلحة، بل يعتمد على مجموعة من الرموز البصرية والصوتية التي تتكرر بصورة لافتة، بما يمنحها دلالات تتجاوز كل فيديو على حدة.
في أحد المقاطع، يظهر عدد من الشبان يستقلون دراجات نارية وهم يرتدون ملابس سوداء موحدة ويخفون وجوههم بالأقنعة والخوذ. ويرافق المشهد موسيقى صاخبة وعبارات نابية، في مشهد يركز على استعراض القوة أكثر من أي حدث آخر. وقد حقق الفيديو أكثر من 85 ألف مشاهدة، إلى جانب 1855 إعجابًا و216 مشاركة.
ولا يقتصر حضور اللون الأسود أو إخفاء الوجوه على هذا الفيديو وحده، بل يتكرر في مقاطع أخرى أيضًا. ففي فيديو آخر، يقف شخصان بملابس سوداء موحدة أمام دراجة نارية، مع إخفاء كامل لملامحهما، بينما تظهر عبارة، "سنبدع في رد الثأر كما أبدعنا في الصبر"، في رسالة تحمل دلالات واضحة على الانتقام واستعراض الجاهزية للمواجهة. وحصد هذا المقطع أكثر من 77 ألف مشاهدة.
وفي مقطع ثالث، يظهر المغني يزن حمدان وسط مجموعة من الشبان، بينما يقوم أحدهم بوضع رزم من الأموال في جيبه، وهو مشهد يتكرر في حفلات يشارك فيها أفراد من بيئات إجرامية، حيث يتحول المال إلى وسيلة لاستعراض النفوذ والهيبة. ويرتدي معظم الحاضرين اللون الأسود، بينما تظهر على ملابس المغني جمجمة، وتترافق الأغنية مع كلمات وإشارات تدور حول السيطرة والقوة.
أما المقطع الرابع، فيوثق شخصًا مقنعًا يطلق النار على محل تجاري في مدينة سخنين، بينما تُستخدم في الخلفية موسيقى من مسلسل "الحفرة"، المعروف بتناوله صراعات المافيا والمنظمات الإجرامية. ويظهر في أجزاء أخرى من الفيديو أشخاص يحملون أسلحة رشاشة ويطلقون النار في الهواء، في مشهد حصد أكثر من 120 ألف مشاهدة وأكثر من 2200 إعجاب و 264 مشاركة وحفظ.
@israel_hayom
כמו בעזה: עבריינים ביצעו ירי אמש באין מפריע לעבר חנויות ועסקים ברחוב הראשי בסכנין, סמוך לתחנת המשטרה בעיר
♬ צליל מקורי - Israel Hayom | ישראל היום
ورغم اختلاف هذه المقاطع في مضمونها، إلا أنها تتشابه في مجموعة من العناصر البصرية والرمزية٫ فاللون الأسود، وإخفاء الهوية، والدراجات النارية، والأسلحة، والأموال، والموسيقى المرتبطة بعالم العصابات، تتكرر جميعها بوصفها أدوات لصناعة صورة واحدة، تربط القوة بالهيمنة والعنف، وتمنحها جاذبية بصرية تسهّل انتشارها وإعادة تداولها بين المستخدمين.
أين يقف "تيك توك"؟
تكشف المقاطع التي حللها التحقيق عن نمط بصري متكرر يقوم على استعراض السلاح، والمال، والأقنعة، ورسائل التهديد والثأر. لكن يبقى السؤال الأهم٫ هل يكفي التعرض لهذا المحتوى حتى يتحول المشاهد إلى شخص أكثر ميلًا للعنف؟
تؤكد الباحثة في علم الإجرام، منى أبو رومي، أن الإجابة أكثر تعقيدًا من الربط المباشر بين المشاهدة والسلوك، مشددة على أن منصات التواصل الاجتماعي، بما فيها "تيك توك"، لا تُنتج الجريمة بحد ذاتها، لكنها قد تساهم في تشكيل البيئة الاجتماعية التي يتكون داخلها السلوك، خاصة عندما تتقاطع مع عوامل أخرى موجودة أصلًا.
وتوضح، "من منظور علم الإجرام، يمكن اعتبار منصات مثل تيك توك بيئة قد تسهم بصورة غير مباشرة في تعزيز بعض السلوكيات الإجرامية، ليس لأنها تُنتج الجريمة بحد ذاتها، وإنما لأنها قد تؤثر في البيئة الاجتماعية التي يتشكل فيها السلوك."
وتستند أبو رومي إلى نظرية التعلم الاجتماعي التي طورها عالم الجريمة الأمريكي رونالد أكرز، والتي تفترض أن السلوك الإجرامي لا يولد فجأة، بل يُكتسب تدريجيًا من خلال التفاعل مع البيئة المحيطة، والتقليد، والتعزيز، وتكرار التعرض لنماذج سلوكية معينة.
وبحسب هذه النظرية، فإن مشاهدة أنماط سلوكية متكررة، تُقدَّم بصورة جذابة أو تحظى بالقبول والإعجاب، قد تجعلها أكثر قابلية للتقبل، خصوصًا لدى الأشخاص الذين يعيشون أصلًا في بيئات تعاني من انتشار العنف أو ضعف الإحساس بالأمان أو ضغط الأقران.
لكن الباحثة تحذر في الوقت نفسه من الوقوع في استنتاجات مبسطة. "من أكثر الأخطاء شيوعًا الاعتقاد بأن مشاهدة العنف تقود تلقائيًا إلى ارتكاب العنف. علم الإجرام لا يسأل٫ لماذا شاهد هذا الشخص الفيديو؟ بل يسأل٫ لماذا تأثر به هذا الشخص تحديدًا بينما لم يتأثر غيره؟"
وترى أبو رومي أن الانتقال من المشاهدة إلى السلوك لا يحدث بسبب عامل واحد، وإنما نتيجة تفاعل عدة ظروف في الوقت نفسه. "الانتقال إلى الفعل يحدث غالبًا عندما يلتقي التغير في التفكير مع عوامل أخرى موجودة أصلًا، مثل بيئة يسودها العنف، أو ضغط من الأقران، أو شعور بالإهانة، أو ضعف القدرة على ضبط الانفعالات."
وفي المجتمع العربي داخل إسرائيل، تضيف أبو رومي، تصبح هذه العوامل أكثر تعقيدًا بسبب وجود بيئة تعاني أصلًا من انتشار الجريمة المنظمة، وتوفر السلاح غير القانوني، وضعف الثقة بقدرة أجهزة إنفاذ القانون على الحد من العنف.
وتخلص إلى أن الخطر الحقيقي لا يكمن في عرض العنف وحده، وإنما في الطريقة التي يُعاد بها تقديمه باستمرار داخل الفضاء الرقمي. "الخطر لا يتمثل في نشر مشهد عنيف بحد ذاته، وإنما في إعادة تشكيل الوعي الاجتماعي تجاه العنف، بحيث يتحول، لدى بعض الفئات، من سلوك مرفوض إلى سلوك مألوف أو مفهوم، وربما محل إعجاب."
وتضيف أن هذه العملية لا تحدث بصورة فجائية، وإنما عبر تراكم طويل لمشاهد متشابهة تعيد إنتاج الرموز نفسها، وتربط القوة بالهيمنة، وحمل السلاح، والقدرة على فرض السيطرة، وهي الرسائل ذاتها التي رصدها التحقيق في عدد من الفيديوهات الأكثر تداولًا على منصة "تيك توك".
من يوقف هذا المحتوى؟
إذا كانت خوارزميات المنصة قادرة على دفع هذا النوع من المحتوى إلى ملايين الشاشات خلال وقت قصير، وإذا كان المختصون يحذرون من تأثيره التراكمي، يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية٫ أين تقف المنصة نفسها؟ وهل تكفي سياسات الرقابة الحالية لمنع انتشار المحتوى الذي يتضمن تمجيدًا للعنف أو رسائل ترهيب مبطنة؟
لا يختلف الخبراء الذين قابلهم التحقيق على أن المحتوى العنيف لا ينتشر في فراغ، لكنه لا يبقى أيضًا مسؤولية المستخدمين وحدهم. فبينما تدفع خوارزميات المنصة بالمقاطع الأكثر إثارة إلى واجهة المشاهدة، يرى مختصون أن ضعف الرقابة الرقمية، إلى جانب محدودية تطبيق القانون، يتيح لهذا النوع من المحتوى مساحة أوسع للانتشار وإعادة الإنتاج.
وتقول راوية، الناشطة الاجتماعية ومديرة جمعية "ايلاف" لمجتمع امن، إن العلاقة بين وسائل التواصل الاجتماعي والعنف لم تعد تقتصر على نقل الأحداث أو توثيقها، بل أصبحت جزءًا من البيئة التي تُعاد فيها صناعة الثقافة السائدة بين الشباب. "في السنوات الأخيرة، أصبح هناك ارتباط واضح ومقلق بين وسائل التواصل الاجتماعي وسلوكيات العنف لدى الشباب. المنصات لم تعد مجرد وسيلة للتواصل، بل أصبحت جزءًا من تشكيل ثقافة اجتماعية جديدة."
وترى أن بعض منظمات الجريمة أدركت مبكرًا قيمة هذه المنصات، فبدأت تستخدمها بوصفها وسيلة لبناء الهيبة وإرسال رسائل مباشرة إلى الخصوم. "بعض منظمات الجريمة تستخدم هذه المنصات لنشر رسائل ترهيب أو استعراض للقوة بصورة علنية، بحيث لا يكون الهدف توثيق الحدث فقط، وإنما إيصال رسالة إلى الجمهور وإلى المنافسين في الوقت نفسه."
وتوضح راوية أن تصوير مشاهد العنف أو نشرها لا يشكل جريمة في جميع الحالات، إلا أن المحتوى قد يتحول إلى مخالفة قانونية عندما يتضمن تحريضًا أو تهديدًا أو تمجيدًا للعنف. لكنها ترى أن المشكلة لا تكمن في النصوص القانونية وحدها، بل في محدودية تطبيقها. "رغم وجود وحدات مختصة بجرائم الإنترنت، إلا أن التطبيق ما زال غير كافٍ، ولا يواكب السرعة التي ينتشر بها هذا النوع من المحتوى."
وتلتقي معها ديمة أسعد، الناشطة في مجال الأمان الرقمي، التي ترى أن مسؤولية الحد من انتشار هذه المقاطع لا تقع على أجهزة إنفاذ القانون وحدها، بل تبدأ أيضًا من سياسات المنصة نفسها. "آليات الضبط على المنصة ما زالت محدودة، بينما يبقى الهدف الأساسي للشركات الرقمية هو زيادة التفاعل والمشاهدات، وهو ما يمنح المحتوى المثير فرصة أكبر للانتشار."
وتضيف أن معالجة المحتوى العنيف في السياق العربي تتطلب فهمًا أعمق للغة والرموز المحلية. "قد تبدو بعض المقاطع أو العبارات عادية بالنسبة لأنظمة المراجعة الآلية، لكنها تحمل في الواقع رسائل تهديد أو تحريض يفهمها أبناء المجتمع المحلي بسهولة."
ويرى الخبراء الذين تحدث إليهم التحقيق أن مواجهة هذه الظاهرة لا يمكن أن تعتمد على الرقابة وحدها، بل تحتاج إلى مقاربة أوسع تبدأ بالتوعية الرقمية داخل المدارس، وتعزيز الحوار داخل الأسرة، وتطوير أدوات أكثر فاعلية لدى منصات التواصل لرصد المحتوى الذي يمجد العنف أو يحوله إلى مادة للترفيه، إلى جانب تطبيق أكثر فاعلية للقوانين القائمة.
حين تتحول الجريمة إلى "ترند"
المقاطع التي رصدها التحقيق لم تكن مجرد توثيق لجرائم أو نزاعات، بل أعادت تقديم رموز بعينها٫ السلاح، والأقنعة، والملابس السوداء، والأموال، وأغاني القوة والثأر، بوصفها عناصر جاذبة للمشاهدة وقابلة للتداول على نطاق واسع. ومع تكرار ظهور هذه الصور، يصبح الخطر، كما يحذر المختصون، ليس في مشاهدة العنف مرة واحدة، بل في اعتياده تدريجيًا، حتى يفقد جزءًا من صدمته ويتحول إلى مشهد مألوف في حياة المراهقين والشباب.
في تلك القرية الصغيرة التي بدأ منها هذا التحقيق، انتهت جريمة القتل خلال دقائق، لكنها لم تتوقف عند مسرح الجريمة. انتقلت إلى شاشة هاتف، ثم إلى آلاف الشاشات الأخرى، حيث تحولت من واقعة جنائية إلى مقطع متداول، ومن رسالة موجهة إلى خصوم محددين إلى محتوى شاهده عشرات الآلاف.
وهنا تكمن المفارقة التي يكشفها التحقيق، فالرصاصة قد تنهي حياة شخص واحد، أما الفيديو الذي يوثقها أو يمجدها فقد يمنحها حياة أطول بكثير داخل الفضاء الرقمي، ويعيد إنتاجها في ذاكرة جمهور لم يكن حاضرًا في مسرح الجريمة، لكنه أصبح شاهدًا عليها، وربما معتادًا على مشاهدتها.
[email protected]
أضف تعليق