قال منسق قضايا المسكن والأرض في جمعية «سيكوي–أفق»، غاي نردي، إن سياسة الحكومة ووزارة الداخلية تكرّس الفجوات الاقتصادية والاجتماعية بين السلطات المحلية العربية واليهودية، وتحرم البلدات العربية من مصادر دخل مستقلة تتيح لها تحسين الخدمات المقدمة للسكان.

وأضاف نردي لـ«بكرا» أن استمرار المستوى السياسي في عرقلة الخطط المهنية الرامية إلى تقليص الفجوات سيُبقي السلطات المحلية العربية وسكانها داخل دائرة الفقر، مشيرًا إلى أن القرارات الحكومية لا تؤثر فقط في مكانة المجتمع العربي، بل في قدرته على الحصول على خدمات بلدية أساسية.

مراقب الدولة 

واستند نردي إلى تقرير مراقب الدولة الصادر في حزيران 2026، والذي تناول الفجوات في الإيرادات الذاتية للسلطات المحلية، وكشف عن تفاوت واسع بين البلدات العربية وغيرها من البلدات.

وبحسب التقرير، تتراوح نسبة الإيرادات الذاتية في مدن مثل تل أبيب ورمات غان وهرتسليا ورعنانا بين 74 و80 في المئة، بينما تتراوح في بلدات عربية في مركز البلاد، بينها جلجولية والطيرة وكفر برا وكفر قاسم، بين 8.4 و39 في المئة فقط. ويزداد الوضع سوءًا في بلدات بدوية في النقب مثل رهط واللقية.

وأوضح نردي أن أحد الأسباب الرئيسية لهذه الفجوة هو النقص الحاد في المناطق الصناعية ومناطق التشغيل داخل البلدات العربية، والتي تشكل مصدرًا أساسيًا لضريبة الأملاك البلدية.

وتعتمد السلطات المحلية على ضريبة الأملاك المفروضة على المنازل، إلى جانب الضريبة المفروضة على المصالح التجارية ومناطق التشغيل. وتُعد الضريبة التجارية أكثر جدوى للسلطات، لأن قيمتها أعلى ولأن المصالح التجارية تستهلك خدمات بلدية أقل مقارنة بالمنازل.

وتظهر دراسة أجرتها جمعيتا «سيكوي–أفق» و«إنجاز» أن 56 في المئة من إيرادات ضريبة الأملاك في السلطات المحلية اليهودية تأتي من مناطق التشغيل، مقابل 44 في المئة من المنازل. أما في السلطات العربية، فتأتي 68 في المئة من الإيرادات من المنازل، ولا تتجاوز حصة مناطق التشغيل 32 في المئة.

مبادرات وعوائق 

وقال نردي إن وزارة الاقتصاد أدركت إمكانية مساعدة السلطات التي تعاني انخفاضًا في إيرادات ضريبة الأملاك من خلال إقامة مناطق تشغيل مشتركة، أو تعديل الحدود البلدية بما يسمح للبلدات الفقيرة بالحصول على جزء من إيرادات المناطق الصناعية القريبة منها.

لكنه أضاف أن هذه المبادرات تواجه عوائق مؤسساتية وسياسية عندما يتعلق الأمر بتقاسم الإيرادات مع السلطات العربية.

وأشار إلى أن المجلس القطري للتخطيط والبناء قرر في تشرين الثاني 2025 إلغاء مخطط عملت لجنة التخطيط اللوائية في حيفا على دفعه مدة خمس سنوات، وكان يهدف إلى إقامة منطقة تشغيل على مساحة 1400 دونم غربي شارع 6، بالقرب من كيبوتس لهافوت حفيفا.

وكان المخطط سيمنح مدينتي باقة الغربية وجت أفقًا اقتصاديًا جديدًا، لكن إلغاءه يعكس، وفق نردي، سياسة أوسع تمنع عمليًا إقامة مناطق تشغيل مشتركة بين البلدات العربية واليهودية، رغم الاعتراف الرسمي بالحاجة الملحة إلى تعزيز مصادر دخل السلطات الفقيرة.

وكشف تقرير مراقب الدولة عن تأخير طلبات عديدة قدمتها سلطات عربية لتعديل الحدود وتقاسم إيرادات مناطق صناعية مجاورة. فقد قدم مجلس كفر كنا عام 2017 طلبًا لتقاسم الإيرادات مع نوف هجليل ومنطقة «تسيبوريت» الصناعية، لكن الطلب لم يتقدم.

الناصرة- نوف هغليل

وقدمت بلدية الناصرة عام 2016 طلبًا لتعديل الحدود وتقاسم الإيرادات مع نوف هجليل، من دون صدور قرار حتى اليوم. أما طلب المجلس الإقليمي بستان المرج للاستفادة من أرباح منطقة «ألون تافور» الصناعية، فلم ينجح إلا بعد تقديم التماس إلى المحكمة العليا، وبعد مرور 11 عامًا على تقديم الطلب الأصلي عام 2014.

وردت وزارة الداخلية على مراقب الدولة بأن التأخير يرتبط برغبة الوزراء في اتخاذ قرارات وفق رؤية إقليمية شاملة، وبتعدد جولات الانتخابات خلال السنوات الأخيرة، وبأولويات الوزير والمدير العام للوزارة.

وقال نردي إن هذه «الأولويات» تنسجم مع سياسة طويلة الأمد تكرّس الفجوات الاقتصادية والاجتماعية بين المجتمعين العربي واليهودي.

واعتبر أن الإخفاقات التي كشفها مراقب الدولة في إقامة مناطق تشغيل مشتركة تمثل دليلًا واضحًا على تسييس منظومة التخطيط، وعلى خضوع الحكومة لضغوط السلطات المحلية القوية التي تقع المناطق الصناعية داخل نفوذها وتستفيد من إيرادات مرتفعة.

وأضاف أن السلطات القوية تعارض تقاسم الإيرادات مع السلطات العربية الفقيرة، بينما يمتنع المستوى السياسي عن اتخاذ القرارات المهنية اللازمة لتوزيع الموارد بصورة أكثر عدلًا.

وأشار نردي إلى أن المبادرة الخاصة بإقامة مناطق تشغيل مشتركة، والتي كان يفترض أن تساعد في تقليص الفجوات، تعرضت للمصير نفسه الذي واجهته خطط مهنية أخرى هدفت إلى تحسين أوضاع المجتمع العربي، إذ جرى تعطيلها بما يتلاءم مع توجهات المستوى السياسي.

تقليص الخماسية 

وتأتي هذه السياسة بالتزامن مع قرار الحكومة تقليص الخطة الخماسية للتطوير الاقتصادي في المجتمع العربي.

وأكد نردي أن استمرار عرقلة المناطق الصناعية المشتركة، وتأخير تعديل الحدود البلدية، وتقليص الميزانيات الحكومية، يؤدي إلى إبقاء السلطات العربية معتمدة على الضرائب السكنية وعلى المساعدات الحكومية، ويحد من قدرتها على تطوير البنية التحتية والتعليم والرعاية الاجتماعية والخدمات البلدية.

وقال إن دائرة الفقر لن تنكسر ما دام المستوى السياسي يعرقل الحلول المهنية ويمنع السلطات العربية من الوصول إلى مصادر دخل مستقلة ومستدامة.

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]