قال المحلل السياسي محمد دراوشة، في حديث خاص لموقع "بكرا"، إن اتفاق الدفاع المشترك الذي وقعته أمس، الجمعة 7 آب 2026، كل من السعودية وتركيا وباكستان، يمثل تحولًا استراتيجيًا مهمًا في بنية الأمن الإقليمي، وقد يشكل بداية لمرحلة جديدة تسعى فيها دول المنطقة إلى بناء منظومات أمنية أكثر استقلالية عن القوى الدولية التقليدية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة.
وينص الاتفاق الثلاثي على تعزيز التعاون الدفاعي بين الدول الثلاث، وعلى اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الموقعة هجومًا على الأطراف الثلاثة، وهو ما يمنح الاتفاق بعدًا يتجاوز التعاون العسكري التقليدي نحو صيغة للردع الجماعي.
وقال دراوشة لـ"بكرا" إن أهمية الاتفاق تكمن في طبيعة القوى التي يجمعها، موضحًا أن "الاتفاق الثلاثي يجمع بين القوة العسكرية التركية، والقوة المالية والسياسية السعودية، والخبرة العسكرية والنووية الباكستانية، ما يجعله مظلة ردع إقليمية جديدة".
وأضاف أن الاتفاق لا يأتي، بحسب قراءته، كرد فعل على تهديد واحد، بل يعكس رؤية أوسع لدى الدول الثلاث لبناء منظومة أمنية إقليمية أكثر استقلالًا. وقال: "هذا التحالف لا يأتي كرد فعل على تهديد واحد، بل كجزء من رؤية أوسع لبناء منظومة أمنية مستقلة عن القوى الدولية التقليدية".
توقيت الإتفاق ودلالاته
ويرى دراوشة أن توقيت توقيع الاتفاق يحمل دلالات سياسية وأمنية مهمة، في ظل تراجع الثقة لدى عدد من دول المنطقة بقدرة الولايات المتحدة على توفير ضمانات أمنية ثابتة، إلى جانب التغيرات التي طرأت على أولويات السياسة الأميركية عالميًا.
وقال إن "الدول الثلاث استغلت لحظة تراجع المكانة الدبلوماسية الأميركية في المنطقة، وتراجع الثقة الخليجية بقدرة واشنطن على ضمان الأمن الإقليمي"، مضيفًا أن السعودية تحديدًا تدرك أن الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة لم يعد خيارًا مضمونًا.
واعتبر أن الاتفاق يعكس انتقالًا تدريجيًا "من مرحلة الاعتماد على الحماية الأميركية إلى مرحلة بناء منظومة أمنية ذاتية"، وهو تحول قد تكون له انعكاسات بعيدة المدى على طبيعة التحالفات وموازين القوى في الشرق الأوسط.
وعن انعكاسات الاتفاق على إسرائيل، قال دراوشة إن تل أبيب تجد نفسها أمام واقع إقليمي جديد، قد يفرض عليها إعادة النظر في حساباتها الأمنية والعسكرية.
وأضاف: "إسرائيل تجد نفسها أمام واقع جديد. لسنوات طويلة اعتمدت على قدرتها على تنفيذ عمليات عسكرية منفردة، وعلى دعم أميركي مباشر. لكن وجود كتلة إقليمية تضم تركيا والسعودية وباكستان يخلق معادلة ردع جديدة ويحد من هامش المناورة".
واعتبر دراوشة أن التطورات الإقليمية الأخيرة تظهر أيضًا مدى ارتباط قدرة إسرائيل على تنفيذ عمليات عسكرية إقليمية واسعة بالدعم الأميركي، وقال إن "إسرائيل غير قادرة على القيام بمغامرات عسكرية مستقلة واسعة دون غطاء أميركي".
وأضاف أن إسرائيل كانت تنظر إلى تركيا باعتبارها أحد مصادر التحدي الإقليمي بعد إيران، إلا أنها باتت اليوم أمام إطار دفاعي يجمع أنقرة بالرياض وإسلام آباد، بما تمتلكه الدول الثلاث من قدرات عسكرية وسياسية واقتصادية.
وفي ما يتعلق بالملف الفلسطيني، يرى دراوشة أن الاتفاق قد تكون له انعكاسات مهمة على المساعي الإسرائيلية للتوصل إلى اتفاق تطبيع مع السعودية، خصوصًا في ظل تمسك الرياض بربط أي تقدم في هذا المسار بتحقيق تقدم سياسي في القضية الفلسطينية.
وقال دراوشة: "إسرائيل تسعى منذ سنوات إلى اتفاق سلام مع السعودية، وتعتبره إنجازًا استراتيجيًا قد يعيد تشكيل علاقاتها الإقليمية، لكن السعودية كانت واضحة في أن أي اتفاق مع إسرائيل مرتبط بتقدم ملموس في المسار الفلسطيني وبمفاوضات جدية تؤدي إلى حل سياسي".
وبحسب دراوشة، فإن الاتفاق الدفاعي الجديد يمنح السعودية هامشًا أكبر في التعامل مع الولايات المتحدة وإسرائيل، لأنه يوسع من خياراتها الأمنية ويقلل من اعتمادها على طرف دولي واحد.
شروط السعودية
وأضاف: "هذا التحالف يعزز قدرة السعودية على التمسك بشروطها، ويضع إسرائيل أمام واقع جديد. الرياض لم تعد مضطرة للاعتماد على واشنطن وحدها لتأمين احتياجاتها الأمنية، وبالتالي تزداد قدرتها على التفاوض وعدم تقديم تنازلات مجانية لإسرائيل دون مقابل سياسي للفلسطينيين".
وتابع: "الاتفاق يمنح السعودية هامش قوة إضافيًا في ملف التطبيع، وقد يساعدها على الإصرار على أن يبقى الملف الفلسطيني جزءًا أساسيًا من أي معادلة إقليمية مستقبلية".
وتطرق دراوشة إلى غياب مصر عن الاتفاق الثلاثي، معتبرًا أن الأمر يثير تساؤلات بالنظر إلى وزن القاهرة العسكري والسياسي وموقعها التاريخي في النظام الإقليمي.
وقال إن مصر كانت مرشحة طبيعيًا، من حيث موقعها وثقلها، لتكون طرفًا رابعًا في مثل هذا الإطار، إلا أن هناك عدة عوامل يمكن أن تفسر غيابها، من بينها طبيعة سياستها الخارجية الحذرة، وعلاقاتها مع الولايات المتحدة، والملفات الاقتصادية والأمنية الداخلية، إضافة إلى أن تحسن العلاقات مع تركيا لم يصل بالضرورة إلى مستوى تحالف دفاعي مشترك.
وأضاف أن غياب القاهرة "لا يقلل من أهمية الاتفاق، لكنه يفتح سؤالًا واسعًا حول موقع مصر في الترتيبات الأمنية الجديدة التي بدأت تتشكل في المنطقة".
ولم يستبعد دراوشة أن يتحول الاتفاق الدفاعي إلى منصة لتعاون أوسع بين الدول الثلاث يتجاوز المجال العسكري، ويشمل الاقتصاد والطاقة والصناعات الدفاعية والتنسيق الدبلوماسي.
وقال إن المرحلة المقبلة قد تشهد "مشاريع اقتصادية مشتركة، وتعاونًا أوسع في الصناعات الدفاعية، وتنسيقًا سياسيًا في المنظمات الدولية، إلى جانب مبادرات وساطة في ملفات إقليمية مختلفة".
وأضاف: "هذا التحالف قد يصبح نواة لتحالفات عربية وإسلامية أكبر، وربما يعيد تعريف مفهوم الأمن الإقليمي".
انتقال الإتفاق إلى حالة فعلية
ويرى دراوشة أن مستقبل الاتفاق سيتوقف على قدرته على الانتقال من الإعلان السياسي إلى بناء آليات تعاون عملية ودائمة بين الدول الثلاث، سواء من خلال التنسيق العسكري أو تبادل المعلومات أو التدريب أو تطوير الصناعات الدفاعية.
وقال إن الاتفاق "خطوة استراتيجية طويلة المدى، وليس مجرد رد فعل على تهديدات آنية"، مضيفًا أن الدول الثلاث تسعى إلى "بناء نظام أمني أكثر استقلالية، وخلق توازن ردع جديد، والتعامل بشكل مشترك مع التحديات الإقليمية".
وختم دراوشة بالقول: "نحن أمام لحظة مفصلية في تاريخ المنطقة. الاتفاق الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان قد يعيد رسم الخريطة السياسية والأمنية، ويمنح دول المنطقة قدرة أكبر على حماية مصالحها بعيدًا عن الاعتماد الكامل على التدخل الخارجي".
وأضاف: "قد تكون لهذا التطور أيضًا انعكاسات على القضية الفلسطينية، خصوصًا إذا استخدمت السعودية موقعها الجديد لتعزيز شروطها في أي مسار تطبيع مستقبلي مع إسرائيل. والسؤال الآن هو ما إذا كانت دول أخرى ستنضم إلى هذا المسار، أم أن الاتفاق سيبقى إطارًا ثلاثيًا يمهد لتحولات إقليمية أوسع".
[email protected]
أضف تعليق