كشف تقرير حالة الحكم المحلي لعام 2026، الصادر عن وزارة الداخلية الإسرائيلية، عن أزمة إدارية ومالية عميقة في السلطات المحلية العربية، تتمثل في التبدل السريع للمديرين العامين، وضعف القدرة على تنفيذ المشاريع والاستفادة من الميزانيات الحكومية، إلى جانب أعباء كبيرة في مجالي التعليم والرفاه.
وبحسب معطيات التقرير، يبلغ متوسط مدة بقاء المدير العام في السلطة المحلية غير اليهودية 0.7 عام، أي نحو 8 أشهر فقط. ويختلف هذا الرقم بصورة كبيرة عن السلطات اليهودية، حيث يصل المتوسط إلى 6.2 أعوام، وعن السلطات المختلطة التي يبلغ فيها 15.7 عامًا.
ويشير التقرير إلى أن هذا التبدل المتكرر يعرقل استمرارية العمل الإداري، لأن المدير العام يتولى تطبيق قرارات المجلس المحلي، وإدارة الميزانيات، ومتابعة المشاريع العامة. وتحتاج مشاريع البنية التحتية وبناء المدارس والخطط الحكومية متعددة السنوات إلى وقت طويل للتخطيط والتنفيذ، بينما يؤدي تغيير المسؤول التنفيذي خلال فترة قصيرة إلى تعطيلها أو تأخيرها.
تبدل المديرين وضعف الاستمرارية
لا يقتصر ضعف الاستقرار الإداري على منصب المدير العام، إذ يبلغ متوسط مدة عمل المهندس في السلطات غير اليهودية 3.9 أعوام فقط.
في المقابل، يسجل مراقبو السلطات المحلية العربية أعلى معدل استقرار وظيفي في البلاد، إذ يصل متوسط بقائهم في مناصبهم إلى 18.5 عامًا. كما يبلغ متوسط مدة عمل أمناء الصناديق 4.4 أعوام.
ويخلق هذا الواقع، وفق التقرير، فجوة بين المستوى التنفيذي الذي يتغير بصورة سريعة وبين الجهات الرقابية والمالية التي تحتفظ بالمعرفة المتراكمة داخل السلطة المحلية.
ومع تبدل المديرين والمسؤولين التنفيذيين، تصبح المعلومات المتعلقة بالميزانيات والمشاريع والمخالفات السابقة وآليات العمل مع الوزارات الحكومية مركزة لدى المراقبين وأمناء الصناديق، باعتبارهم الأكثر استقرارًا داخل الجهاز البلدي.
ويخلص التقرير إلى أن منصب المدير العام في عدد من السلطات المحلية أصبح أقرب إلى وظيفة مرتبطة بالثقة السياسية المؤقتة، بدل أن يكون منصبًا مهنيًا يضمن استمرارية العمل.
ضغط كبير على ميزانيات التعليم والرفاه
تتزامن الأزمة الإدارية مع تركيبة سكانية تفرض أعباء مالية كبيرة على السلطات الضعيفة.
ويظهر التقرير أن الأطفال والشبان الذين تتراوح أعمارهم بين صفر و19 عامًا يشكلون ما بين 41% و44% من سكان السلطات المحلية ذات التصنيف الاجتماعي والاقتصادي المنخفض، والمجالس الإقليمية ذات التصنيف المتوسط والمنخفض.
في المقابل، لا تزيد نسبة السكان الذين تجاوزوا 65 عامًا في هذه السلطات على 7%.
أما في السلطات ذات التصنيف الاجتماعي والاقتصادي المرتفع، فتصل نسبة السكان الذين تتجاوز أعمارهم 65 عامًا إلى ما بين 13% و16%.
وتعني هذه الفجوة أن السلطات الضعيفة مطالبة بتمويل عدد كبير من المدارس والصفوف والخدمات التعليمية والاجتماعية، في وقت تعاني فيه من محدودية عائدات ضريبة الأملاك التجارية وضعف مصادر الدخل الذاتية.
وتواجه هذه السلطات حاجة متزايدة إلى إنشاء مبان مدرسية وتوسيع خدمات التعليم والنقل والرفاه، من دون امتلاك قاعدة اقتصادية قادرة على تغطية هذه النفقات.
السلطات الأضعف لا تستفيد من الميزانيات
يكشف التقرير كذلك عن ضعف قدرة السلطات الواقعة في المناطق الطرفية على استغلال الدعم الحكومي المتاح لها.
وبحسب المعطيات، لم تتجاوز نسبة تنفيذ الميزانيات الحكومية في السلطات المصنفة ضمن العنقود الطرفي الثاني 38%، وهي النسبة الأدنى في البلاد.
ويربط التقرير هذه النتيجة بتعقيد شروط التقدم إلى البرامج الحكومية، واشتراط بعض الوزارات أن تساهم السلطة المحلية بجزء من تكلفة المشروع، إلى جانب نقص الموظفين المهنيين القادرين على إعداد الطلبات ومتابعة الإجراءات.
وبسبب ضعف الموارد المالية وعدم استقرار الطواقم الإدارية، تعجز بعض السلطات عن تقديم الطلبات ضمن المواعيد المحددة أو استيفاء الشروط المطلوبة، فتظل أجزاء كبيرة من الميزانيات غير مستغلة.
في المقابل، تتمتع السلطات الأقوى بطواقم مهنية مستقرة وقدرة أكبر على إعداد المشاريع وتأمين مساهمتها المالية، ما يساعدها على الحصول على نسبة أعلى من التمويل الحكومي.
أزمة إدارة وليست ميزانيات فقط
يخلص التقرير إلى أن أزمة السلطات المحلية العربية والضعيفة لا تتعلق فقط بحجم الميزانيات المخصصة لها، بل أيضًا بقدرتها على إدارة هذه الأموال وتحويلها إلى مشاريع فعلية.
فغياب الاستقرار في المناصب التنفيذية، ونقص الكوادر المهنية، وتعقيد شروط الدعم الحكومي، كلها عوامل تعيق تنفيذ المشاريع حتى في حال تخصيص الميزانيات.
ويشير التقرير إلى أن معالجة الأزمة تتطلب آليات تضمن الاستقرار المهني للمديرين وكبار الموظفين، إلى جانب تبسيط شروط الحصول على الدعم الحكومي وتوفير مساعدة مهنية للسلطات الضعيفة.
ومن دون هذه الخطوات، ستواصل السلطات المحلية العربية مواجهة صعوبة في بناء المدارس وتطوير البنية التحتية وتنفيذ الخطط الحكومية، رغم وجود ميزانيات مخصصة لهذه المجالات.
[email protected]
أضف تعليق