تزداد كلفة الأعراس في المجتمع العربي في البلاد عاماً بعد عام، في ظل ارتفاع أسعار الوجبات في القاعات، وتعدد أيام الاحتفال، وكلفة الملابس والتجميل والهدايا و"النقوط". وبينما ترى عائلات كثيرة في العرس مناسبة لا يمكن اختصارها، تجد عائلات أخرى نفسها أمام التزامات مالية تتجاوز قدرتها الحقيقية.

وتقول المختصة الاقتصادية نردين أرملي، في حديث لـ"بكرا"، إن من حق كل عائلة أن تحتفل وفق رغبتها وإمكاناتها، لكن المشكلة تبدأ عندما تُبنى المناسبة على توقع مساهمة المدعوين في تغطية التكاليف.

وأضافت: "عندما يخطط أصحاب العرس لعدة أيام ووجبات واحتفالات، وهم ينتظرون من المعازيم المشاركة في النفقات، يصبح الأمر عبئاً على المحيط الاجتماعي. نحن نعيش في ظل غلاء واسع، ومن الضروري مراعاة أوضاع الأقارب والجيران والأصدقاء".

العرس لا يبدأ من القاعة

لا تقتصر كلفة المشاركة في الأعراس على المبلغ الذي يُقدّم للعروسين. فالعائلة المدعوة قد تتحمل نفقات إضافية تشمل الملابس، وتصفيف الشعر، والتجميل، وجليسة الأطفال، والهدايا، والضيافة، والمشاركة في التحضيرات، إلى جانب خسارة ساعات عمل والسهر لأيام متتالية.

وترى أرملي أن "الثمن الاقتصادي أوسع بكثير من النقوط"، مشيرة إلى أن بعض العائلات ذات الدخل المتوسط أو التي تعتمد على مخصصات التأمين الوطني تعتبر المشاركة واجباً اجتماعياً لا يمكن التراجع عنه، حتى لو اضطرت إلى الاستدانة أو طلب المساعدة من الأقارب.

وتابعت: "الخجل الاجتماعي يدفع عائلات إلى الاقتراض من البنوك أو الدخول في التزامات مالية فقط كي لا تبدو مقصرة أمام الآخرين. هذا سلوك يضغط على ميزانية الأسرة، وقد يرافقها لأشهر بعد انتهاء المناسبة".

قروض قبل بداية الحياة المشتركة

لا يقتصر الضغط المالي على المدعوين، بل يبدأ أحياناً لدى العروسين قبل الزواج. وتوضح أرملي أن عدداً من الأزواج يدخلون حياتهم المشتركة وهم يحملون قروضاً كبيرة بسبب تكاليف الحفل والتجهيزات.

وقالت إن التحديات المالية في السنوات الأولى من الزواج تعد من أبرز أسباب التوتر بين الأزواج، وقد تساهم في تفاقم الخلافات الأسرية. ولهذا تدعو إلى تحديد ميزانية واضحة قبل العرس، والاتفاق بين العروسين والأهل على الأولويات.

وأضافت: "يجب أن يسأل العروسان نفسيهما ما هو الأهم. تجهيز المنزل، السفر، الادخار للمستقبل، أم إنفاق مبالغ كبيرة على الزينة والتفاصيل التي تنتهي خلال ساعات؟".

التخطيط يبدأ قبل سنوات

توصي أرملي بالبدء في الادخار قبل موعد الزواج بسنوات، وتقسيم الالتزامات المالية على مراحل، ووضع سقف لا يتم تجاوزه. كما تشدد على أهمية الحوار الصريح بين العروسين والأهل لتفادي الإحراج والخلافات.

وقالت: "يجب اختيار نوع الاحتفال وفق الإمكانات الحقيقية، لا وفق ما يفعله الآخرون. لا معنى لليلة واحدة فخمة إذا كانت ستترك وراءها ديوناً تستمر سنوات".

وتدعو أرملي العائلات التي ترغب في تنظيم أيام احتفالية إضافية أو وجبات خاصة إلى توضيح أنها لا تتوقع من المدعوين تحمل تكاليف هذه الخيارات.

وأضافت: "من حقكم أن تفرحوا، لكن لا تجعلوا فرحتكم سبباً في الضغط المالي على من تحبون. بالنسبة إليكم هذه فرحة العمر، أما بالنسبة للمدعوين فهي واحدة من مناسبات كثيرة يشاركون فيها خلال العام".

الحاجة إلى تغيير اجتماعي

ترى أرملي أن التغيير لا يبدأ بقرار رسمي، بل من العائلات نفسها. فاختصار أيام الأعراس، وخفض عدد الوجبات، وتخفيف قيمة النقوط، وعدم ربط المحبة بحجم المساهمة المالية، كلها خطوات يمكن أن تقلل العبء.

وختمت حديثها لـ"بكرا" بالقول: "قد يقول البعض إن الجميع يفعل ذلك، فلماذا نتغير نحن؟ لكن التغيير يحتاج إلى من يبدأ. يمكن لكل عائلة أن تكون نموذجاً جديداً في الاحتفال من دون ديون ومن دون إحراج الآخرين".

استعمال المضامين بموجب بند 27 أ لقانون الحقوق الأدبية لسنة 2007، يرجى ارسال رسالة الى:
[email protected]