تكتسب مسألة المساعدات الأميركية لإسرائيل بعدًا إضافيًا في ضوء التطورات الأخيرة، بعدما نقلت شبكة «CNN» عن مصدرين إسرائيليين أن تل أبيب وافقت على طلب إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب وقف الضربات على إيران، مع استمرار عملياتها العسكرية في جنوب لبنان.
وبينما وصف أحد المصدرين الوضع بأنه «هش للغاية»، في ظل تهديد إيراني باستئناف الهجمات إذا واصلت إسرائيل استهداف لبنان، أعادت هذه التطورات طرح سؤال الاعتماد الإسرائيلي على واشنطن، ليس فقط سياسيًا ودبلوماسيًا، بل أيضًا عسكريًا واستراتيجيًا.
اتفاق المساعدات الأمنية
وفي هذا السياق، قال المحلل الإسرائيلي يعقوب كاتس، وهو محرر سابق لصحيفة جورزليم بوست، لـ«بكرا» أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يستعد لاستغلال ما وصفه بـ«الفرصة الأخيرة» أمام إسرائيل لتجديد اتفاق مساعدات أمنية واسع مع الولايات المتحدة، قبل انتهاء مذكرة التفاهم الحالية بين البلدين.
وكان نتنياهو قد قال، في مقابلة مع برنامج «60 دقيقة»، إنه يريد تقليص المساعدات المالية الأميركية لإسرائيل تدريجيًا، وصولًا إلى «تصفيرها» خلال العقد المقبل. غير أن كاتس يرى أن هذه التصريحات يجب أن تُقرأ في سياقها السياسي، لا بوصفها إعلانًا فعليًا عن الاستغناء القريب عن الدعم الأميركي.
ووفق كاتس، فإن مذكرة التفاهم الحالية، التي تحصل إسرائيل بموجبها على 3.8 مليار دولار سنويًا كمساعدات أمنية أميركية، وُقعت في نهاية ولاية الرئيس الأسبق باراك أوباما، ومن المقرر أن تنتهي صلاحيتها بنهاية عام 2027. وإذا أرادت إسرائيل تجديدها، فإن العملية يجب أن تبدأ الآن، وأن تمر في عهد ترمب.
ويقول كاتس إن ترمب أظهر دعمًا قويًا لإسرائيل، لكن المساعدات الخارجية الواسعة ليست من القضايا التي يؤيدها بصورة تلقائية. لذلك، يتوقع أن يكون تجديد الاتفاق بالحجم الحالي مسارًا تفاوضيًا معقدًا.
المخاطر
ويرى أن انتظار إدارة أميركية مقبلة يحمل مخاطرة لإسرائيل. فالحزمة الحالية تنتهي قريبًا، وقد يؤدي التأخير إلى فجوة في المساعدات. كما لا توجد، بحسبه، ضمانة بأن تكون الظروف السياسية في واشنطن أفضل بعد انتخابات 2028، سواء فاز ديمقراطي أو جمهوري، في ظل تصاعد التيارات الانعزالية داخل الحزب الجمهوري أيضًا.
ويشير كاتس إلى أن أهمية الاتفاق لا تقتصر على قيمته المالية، بل تتصل بكونه أحد أبرز التعبيرات المؤسسية عن التحالف بين الولايات المتحدة وإسرائيل. فهو، كما يكتب، يعكس استقرار العلاقة الاستراتيجية بين البلدين، بصرف النظر عن هوية الرئيس في البيت الأبيض.
لكن السياق العسكري الحالي يزيد أهمية هذا النقاش. فإسرائيل، كما يوضح كاتس، تواجه تهديدات متزامنة من غزة ولبنان وإيران، ولم تعد هذه التهديدات سيناريوهات نظرية، بل واقعًا عملياتيًا. وفي مثل هذا الواقع، لا يقتصر الاعتماد على واشنطن على الدعم السياسي، بل يمتد إلى الذخائر، والمنظومات، وقطع الغيار، وبنية سلاح الجو.
طائرات امريكية الصنع
ويؤكد كاتس أن معظم الطائرات والمروحيات ومنصات النقل والتزود بالوقود والاستخبارات التي يستخدمها سلاح الجو الإسرائيلي أميركية الصنع، بينها F-15 وF-16 وF-35 وأباتشي وبلاك هوك وC-130 وطائرات بوينغ للتزود بالوقود.
وبحسبه، يخلق ذلك واقعًا استراتيجيًا لا يتحدث عنه القادة الإسرائيليون كثيرًا في العلن. فإذا أرادت إدارة أميركية مستقبلية كبح عملية عسكرية إسرائيلية، فلن تحتاج فقط إلى تأخير قنابل ثقيلة، بل يمكنها إبطاء توريد قطع الغيار للطائرات. ومن دون هذه القطع، لا تستطيع الطائرات التحليق، ولا تستطيع إسرائيل إدارة حرب.
ويقول كاتس إن النقاش داخل إسرائيل بدأ يتجه نحو صيغة مختلفة للعلاقة مع واشنطن، تقوم بدرجة أقل على المساعدة المباشرة، وبدرجة أكبر على التطوير المشترك، والإنتاج المشترك، والتكامل التكنولوجي، والتعاون العملياتي.
ويرى أن المواجهة الأخيرة مع إيران تعزز هذا الطرح، إذ يمكن عرض العلاقة بين واشنطن وتل أبيب كاستثمار مشترك بين حليفين في قدرات تخدم الطرفين، لا كمجرد دعم أميركي لإسرائيل.
استقلال امني
ومع ذلك، يشدد كاتس على أن الحديث عن استقلال أمني إسرائيلي كامل عن الولايات المتحدة ينطوي على قدر من الوهم. فإسرائيل تستطيع السعي إلى استقلال أكبر، لكن حدود هذا الاستقلال واضحة، في ظل اعتمادها العميق على المنظومات الأميركية.
ويخلص كاتس إلى أن تصريحات نتنياهو عن تقليص المساعدات يجب أن تُفهم بوصفها تموضعًا سياسيًا قبل مفاوضات حساسة، لا إعلان استقلال عن واشنطن. فالحساب في القدس، وفق تعبيره، يقوم على أن هناك نافذة أخيرة لتأمين مذكرة تفاهم واسعة في عهد ترمب، وبعدها سيكون من الصعب تصور رئيس أميركي آخر يوافق على حزمة مساعدات بالحجم نفسه. ويكتب كاتس أن هذه قد تكون «الفرصة الأخيرة» لإسرائيل، وأن نتنياهو ينوي استخدامها.
[email protected]
أضف تعليق